السياسةالعمل والمستجدات

كيف نقرأ قصة الهدهد مع سليمان عليه السلام فى سورة النمل ؟ عبد الرحمن بشير

كيف نقرأ قصة الهدهد مع سليمان عليه السلام فى سورة النمل ؟ عبد الرحمن بشير
……………………… ……………………………………………………………………………
يعتبر نبي الله سليمان ، وكذلك نبي الله داوود عليهما السلام من الملوك العظام فى بنى إسرائيل ، وفى التاريخ البشري ، وتناول كتاب الله قصتهما بشكل مفصل فى بعض الأحيان ، وبصورة مجملة فى أحيان أخرى ، فهما عظيمان من حيث النبوة ، لأنهما يعتبران قدوة فى المجال الديني ، وعظيما من حيث الملك والسلطان ، لأنهما كذلك قدوة فى هذا المجال الحيوي .

إن نبي الله سليمان عليه السلام يعتبر رجل دولة ، وشخصية محورية فى الحكم ، ولديه رؤية سياسية ، وتطبيق وتنفيذ للرؤية السياسية بشكل عملي ، ولهذا تجده يتحرك وفق منظومة سياسية متكاملة ، فهو ينظم الجيوش ، ويتفقد الرعية ، ويحاسب رجال الدولة من البشر والحيوانات والعفاريت ، ويستخدم كل الإمكانيات المتاحة للرجل من الرياح والحشرات ، ويرعى مصالح جميع الخلق فى دولته حتى ( النملة ) لها رعاية خاصة ، ولديه اهتمام كبير فى مصالح هذه الحشرة المهمة ، والتى تم ذكرها فى كتاب الله .

من أهم ما يقوم به رجل الدولة ، ورجل السياسة ، هو الإهتمام بالمعلومات السياسية والأمنية ، رصدا وتحليلًا ، تجميعا وقراءة وفحصًا ودراسة ، متابعة وتنفيذا ، تقييما وتعديلا وتوجيها ، بل فلا معنى لدولة لا تسعى وراء المعلومات الدقيقة من الداخل والخارج ، لأن أخذ القرار الصائب يتطلب من وحود معلومات دقيقة وصحيحة ، فقد تكون المعلومة صحيحة ، ولكنها ليست دقيقة ، وقد تكون المعلومة قوية ، ومهمة ، ولكنها قد يشوبها بعض الأخطاء فى النقل ، فمشكلة الأخبار فى رواتها ( وما آفة الأخبار إلا رواتها ) ، وهناك مسألة أخرى فى نقل الخبر ، وهو ما يسمى ( تحليل المعلومة ) فالمعلومة قد تأتى من جهة موثوقة ، ولكن نوعية الخبر يتطلب إلى قراءته من جوانب أخرى ، ذلك لأن الجهات المعادية قد ترسل إلى الخصم أخبار صحيحة ، وتريد من وراءها خلخلة المواقف ، وزحزحة الصف الداخلي ، ومعرفة الحراك من الداخل بعد نقل الخبر إليهم .

هنا ، يكون الخبر المنقول إلى الجهات الحاكمة يدخل فى الإمتحان الصعب ، ولهذا تصنع بعض الدول أجهزة ( الرصد والتحليل ) ، وهناك من وراء أجهزة الرصد والتحليل أجهزة ( المتابعة ) ومن وراء أجهزة ( المتابعة ) أجهزة ( المصادقة ) ، فالخبر الذى ينقل إلى الجهات التنفيذية قد يصنع الكوارث البشرية داخليا وخارجيا ، وقد يصنع تحسين العلاقات فى الداخل والخارج .

ليس من الممكن أن نفكر فى وجود دولة بدون تلك الأجهزة ، فأخطر الأجهزة فى الدولة هي تلك التى تعمل فى هذا المجال الحيوي ، ولهذا تناول كتاب الله قصة المخابرات من خلال نبي الله سليمان عليه السلام ، فهذا الرجل العملاق سياسيا ، والخطير فى مجال قيادة الدول ، ومع هذا كان نبيا من انبياء الله ، ماذا تقول القصة ؟

أولا : ( وتفقّد الطير ) ، فالطير لديه مهمة ، ولها رمزية خطيرة فى جهاز الدولة ، ولهذا تفقد نبي الله سليمان عليه السلام الطير ، والتفقد هنا ، لا يعنى البحث عن الوجود الفيزيائي للطيور ، ولكنه يتفقد عن المهام ، ولهذا جاءت العبارة القرآنية ( وتفقّد الطير ) .

ثانيا : ( فقال ما لى لا أرى الهدهد ) ، من خلال التفقّد ، وجد نبي الله سليمان عليه السلام أن الهدهد ليس موجودا ، ولهذا فهو لم يقدم المعلومات السرية الموكولة إليه ، ولم يؤد المهمة كما ينبغى ، ومن هنا تساءل وطرح ما يلى : ( أم كان من الغائبين ؟ ) .

ثالثا : هنا يأتى دور رجل الدولة باعتباره ( رمز التنفيذي الأول ) فقال : ( لأعذبنه عذابا شديدا ، أو لأذبحنه ،أو ليأتيني بسلطان مبين) هنا نجد دور رجل الدولة ، فهو الذى يحاسب ، ويعزل ، ويعاقب وفق القانون ، فقد تكلم فى البداية بمنطق رجل القوة ، ثم تكلم بمنطق النبوة ، ورجل الفكر ، فقال ( أو ليأتينّى بسلطان مبين ) .

رابعا : إن رجل الدولة لا يستريح أبدًا ، فالرعية تنتظر منه الرعاية والوقاية بشكل مستمر ، والرعية بالمفهوم القرآني ليس بشرا فقط ، بل المخلوقات فى الوطن كلها رعية للدولة ، ولهذا كانت المفردة القرآنية ( فمكث غير بعيد ) توحى بأن الرجل مهموم ، وينتظر لماذا غاب الهدهد باعتباره مسؤول الملف الأمني للدولة .

خامسا : إن الهدهد جاء بسرعة ، ولديه خبر مهم للدولة الإيمانية ، وللرجل الذى حكم العالم فى هذه اللحظة، باسم الإيمان ، ( فقال : أحطت بما لم تحط به ) ، هنا نجد كلاما دقيقا من الهدهد ، لم يقل لنبي الله سليمان عليه السلام ، عندى خبر مهم لك ، بل قال ( أحطت ) والكلمة تحمل دلالة استخباراتية ، فالمعلومة ليست خبرا فقط ، بل منظومة من المعلومات ، ولهذا كانت العبارة ( أحطت ).

سادسا : إن المعلومة المنقولة إلى رجل الدولة ليست معروفة عنده ، فهو ربما لديه معلومات ، ولكنها ليست دقيقة ، ولهذا لم يقل الهدهد ( عندى معلومة ليست عندك ) ، بل قال : ( أحطت بما لم تحط به ) وهذه مسألة مهمة فى عالم الإستخبارات .

سابعا : هناك منهجية فى نقل المعلومات المهمة ، يجب ذكر أهمية المعلومة ، وخطورتها ، ولهذا قدم الهدهد المنهجية الشكلية ، ثم أتى بمحتوى المعلومة ( وجئتك من سبأ بنبأ يقين ) .

ثامنا : فى المعلومة ثلاثة أمور ، الإحاطة التامة للمعلومة ، وسرعة النقل إلى الجهات الحاكمة ، والخبر المنقول ، أو المعلومة يجب أن لا يكون ظنيا ، بل يجب أن يكون خبرا صادقا يقترب إلى الظن الراجح ، أو اليقين .

تاسعا : إن الجهة الحاكمة من حقها التثبت والتبين ، بل هذا من الواجبات الأساسية على رجال الحكم والسياسة ، فليس كل خبر منقول إلي الجهات الحاكمة مقبولا ، بل هناك أجهزة فى الدولة من شأنها قراءة وفحص المعلومات ( قال : سننظر ، أصدقت أم كنت من الكاذبين ) ، ومن هنا نعرف أن سليمان عليه السلام استخدم كل الأدوات فى الرصد والتحليل ، وفى المتابعة والمصداقية ، فالهيئات التنفيذية قد تقع فى أفخاخ رجال المخابرات ، وتكون بعد ذلك الكوارث .

عاشرا : إن نبي الله سليمان عليه السلام تابع المعلومة من خلال ذكائه الشخصي ، ومن صاحب المعلومة للتأكد من صحتها من جديد فقال ( اذهب بكتابي هذا ، فألقه إليهم ، ثمّ تولّ عنهم ، فانظر ماذا يرجعون ) .

لقد لاحظنا من خلال القصة العجيبة كيف كانت دولة نبي الله سليمان عليه السلام تعمل فى هذا الجانب فقط ، وهو الجانب الأمني ، ولدينا قراءات أخرى فى جوانب أخرى لهذه الشخصية النبوية الإيمانية الحاكمة .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock