السياسةالعمل والمستجدات

عفوا ، أنا لست كما تريد !! عبد الرحمن بشير ( الإنسان ليس ورقة للاستخدام )

عفوا ، أنا لست كما تريد !! عبد الرحمن بشير
( الإنسان ليس ورقة للاستخدام )
————-————————————
١- لست مستودعا لما يقال ، ولا موقعا جاذبا لكل ما ينشر ، ولست ورقة للإستعمال المؤقت ، أرفض أولا ، ثم أتقبل ما أريد بعد النظر والفحص ، فقول ( لا ) مقدم عندى على قول ( نعم ) ، لأن كلمة التوحيد بدأت بالرفض ( لا إله ) ، وهذا أفادني كثيرا في الشك فيما يقال ، وفيما ينشر ، فلا تجذبني العبارات البراقة ، ورونق الصفحات ، وضخامة المجلدات ، وشهرة الكتاب .

٢- لست خاويا من الفكر ، ولا من الرؤية ، ولست ساذجا حتي يستخدمني الآخر في مرحلة مؤقتة لأجل مشروعه الفكري ، قد أجعل نفسي غبيا لأسباب تكتيكية ، فالتغابى ضرورة حياتية في بعض الأحيان ، ولكن عقلى لا يقبل أن يكون مخزونا للنفايات الفكرية ، فعندى منهجية استنفدت منها علماء الفكر قديما وحديثا ، وأقرأ كثيرا لابن رشدي ، وابن تيمية ، والغزالي ، كما أقرأ كثيرا لكارل ماركس ، وديكارت ، وماكس ، واستفدت من هؤلاء جميعا أن أحتفظ عقلى من الضياع في لحظات الضياع .

٣- لست غبيا حتي لا أفهم الجنون الفكري ، ولست ساذجا حتي لا أتعلم من تجارب الحياة ، فمن مناهج التربية نتعلم الغباء ، ومن وسائل الإعلام في العالم العربي نتلقى السذاجة ، فمن لم يكن غبيا لا مستقبل له في بلاد الأغبياء ، ومن لم يكن ساذجا فلا عيش له في وسط السذج ، ولكني علمت من خلال التجارب أن المجانين يصنعون الحياة ( ما أنت بنعمة ربك بمجنون ) ، رفض النبي الكريم أن يكون عاديا في وسط السذج ، ولهذا وصفوه بالجنون ، ولم يكن كذلك لما نجح في مهمته ورسالته .

٤- لست درويشا ( المتدين السلبي ) ، والذى يعطي الأولوية القصوي في المظهر دون الجوهر ، ولست متدينا حسب الطلب ، فهناك متدين حسب السوق الخليجي ، وآخر علي مساق الهنود ، وثالث علي نمط الأتراك والمصريين ، لدي أسئلة الوجود ، من خلقني ؟ ولماذا خلقني ؟ وإلي أين المصير بعد الرحلة القصيرة ؟ هذه الأسئلة تصنع لى عالمي الخاص من التدين ، فأنا أتساءل إذا أنا متدين ، وليس العكس ، أنا متدين إذا أنا أسأل .

٥- لست مواطنا أبحث عن العيش ، ولست إنسانا يعيش لأجل العيش ، لا أعتقد أن الوطن الذي يستحق أن أعيش فيه هو الوطن الذي ولدت فيه ، وترعرعت فيه فقط ، ولكن الذي يستحق أن أعيش فيه هو الوطن الذي أجد فيه كرامتي ، فلا كرامة لحجر دون حجر ، ولكن الكرامة كل الكرامة أن يجد الانسان ذاته بلا تحيز .

٦- لست خائفا من السؤال مهما كان صعبا ، ولست قلقا من العلم مهما تجبر ، ولكني أخاف من الجهل حين يلبس ثياب العلماء ، والقاتل يظهر في لباس الواعظين ، إذا انتهت الأسئلة من الفرد ، فإنه بدأ ينحدر نحو الأسفل ، وإذا كانت الأسئلة هي التي تقود الإنسان نحو الكتب والأفكار ، فإنه بدأ يشق طريقه نحو العلا .

٧- لست شيخا من شيوخ الدين ، ولهذا لا أضع فوق رأسي عمامة ، ولست سياسيا يسعي لاستحواذ كرسي ، ولهذا لم أنتم في حياتي إلي حزب سياسي محدّد ، ولكني حملت قضية ، وتبنيت مشروعا ، فقضيتي الأولي ( الاسلام ) ، ومشروعي ( النهضة الوطنية ) ، ولهذا أجد الكثير من الناس لا يفقهون لماذا لا أضع فوق رأسي عمامة ؟ لأنني قد أختلف مع بعض الشيوخ في مسألة ربط النهضة بالإسلام ، وهذا يعطيك معنى قولى : لست أنا كما تريد .

٨- لست مشروعا مؤقتا ينتهي بنفاذه ، كما أنني لست برنامجا قابلا للصعود والهبوط ، فأصحاب المشاريع الفكرية يتحررون من ثقل التاريخ ، ومن إصر الجغرافيا ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا ، هناك أسئلة الحضارة ، وهي تبعث في النفوس القلق ، فمن لا قلق له حضاريا فهو من الماضي وإن كان موجودا بيولوجيا في الخريطة الجغرافية ، وله كذلك صور فوتوغرافية منتشرة في صفحات التواصل الاجتماعية دون ان ترصد له منشورا فكريا ، أو إنتاجا أدبيا ، لأنني وجدت مؤخرا بأن البعض يعتقد هذه المعادلة : أنا أنشر صورى في الفيسبوك ، إذا أنا موجود .

٩- لست أنا كما يريد أصدقائى ، ولست كذلك كما يريد أعدائي ، بل لست كذلك كما يفكر الآخرون في شأني ، لست كل ذلك ، فأنا لست من عالم الناس الذين يريدون أن نكون وفق أهواءهم وامزجتهم ، لست كل ذلك ، هذا ليس غريبا ، ولكن الغربة أن يريد الناس أن تكون شبيها لهم في التدين ، وفي السلوك ، وفي المذهب السياسي ، وفي الإنتماء الطائفي ، والتحيز الفكري .

الجماعة ، والمذهب ، والفكرة ، والحزب صناعة بشرية قابلة للتطور ، بل والتجاوز ، ولكن الدين إذا كان صحيحا ومقبولا ( الإسلام ) نموذجا ، والوطن قابلا للعيش فيه بدون أن تتنازل عن الكرامة والحريّة ، فهما فقط لايمكن تجاوزهما أبدا بحال من الأحوال ، لماذا أعيش كما أريد ؟ ولماذا أرفض أن أكون نسخة مكررة من الآخرين ؟ هذا جزء من ذاتى ، لأننى كما قلت سابقا : لست ذاتا في الذوات ، وإنما أنا صرت ذواتا في الذات .

١٠- في بلادنا ، الناس متشابهون في كل شيء حتي التفاصيل ، وفي الغرب ، وجدت الناس مختلفين في كل شيء حتي الكليات ، ولكني توصلت من خلال البحث أن التشابه المطلق مضرّ ، بل قد يكون قيدا في الإنطلاقة ، وأن الخلاف الكبير والعدمي قاتل ، بل قد يكون عذابا أليما في الحياة ، وصدق من قال : إن الخلاف الدائم شقاق ، والوفاق الدائم نفاق .

إن بداية النهضة يحب أن تتأسس على الوحدة في التصور والكليات ، والتنوع فيما عدا ذلك ، فلا جمال فى حياة تتشابه كلها ، ولا دوام لحياة تتأسس على الخلاف فى كل شيء ، نحن نتشابه فى إنسانيتنا ، وفى بعض مظاهر تديننا ، وفى أشكالنا العامة ، ولكننا نختلف فيما عدا ذلك ، والسبب هو أن الخالق يريد حياة تتنوع لتتكامل ، ما أجمل الحياة حين يفهم الانسان ذاته من خلال ذاته ، ويحاول العيش مع الآخرين من خلال التنوع والتسامح !! وما أشقى الحياة حين يحاول فرد ، أو جماعة ، أو فريق صبغة الحياة بفكرة معينة !

لقد فشلت الأنظمة الشمولية في العالم كلها ، لأنها تجاوزت حقيقة كونية ( التنوع في إطار الوحدة ) ، وبدأت الرأسمالية المتوحشة تعلن إفلاسها لأنها هي الأخري تسوق فكرة ( الوحدة في إطار السوق المتشابه ) ، البشرية اليوم تنتظر مشروعا نهضويا يتجاوز هذه الحدية الكونية ، ويستجيب لمنطق الفطرة المبثوث فى الكون ، وهي موجودة كذلك كنظرية متكاملة فى القرآن ( ذلك الكتاب ، لا ريب فيه ، هدي للمتقين ) .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock