الدين و الترييةالسياسةالعمل والمستجدات

البُعد الرُّوحي للمغال

البُعد الرُّوحي للمغال

المكال (Magal) موسم سَنوي يصادف اليوم الثامن عشر صفر من الخير بحسب التقويم الهجري إحياء لذكرى رحلة الشيخ الخديم – رضي الله عنه – إلى المنفى في غابون، وهو من أهم المناسبات الدينية في السّنغال بشكل خاصّ وفي العالم الإسلامي بشكل عامّ، حيثُ يعدُّ عيد شُكر للمُريدينَ قاطبةً، وفرصةً سَانحةً لنشر رُوحِ المحبّة والسَّلام في رُبوع العَالم الإسلامي وغيرهِ.

وللمكال عدّة أبعاد مختلفة، كالبعد الديني، والروحي، والثقافي، والاجتماعي، والاقتصادي.

وأما الأبعاد الروحية – التي تعدُّ لُبَّ موضُوعنا – فهي تتجلى في الأشياء الآتية:

– إنَّه رسالة لترسيخ السَّلام في نُفوس الناسِ

– إنَّه رِسالة لترسيخ العفو والسماحة

– إنَّه رسالة لغرس روح التفاهم والتحابب في الله تعالى

– إنَّه موعد للتعارف والتلاقي بين أجناس مختلفة وطبقات اجتماعية متنوعة.

– إنه موعد لشُعور الناس بالأجواء الإيمانية والشُّكرية والعلمية

– إنه فرصة لتغذية الأرواح وتطهير النفوس عن طريق تلاوة القرآن الكريم والقصائد الخديمية وزيارة الصَّالحينَ ونحوها.

يقُول الأستاذ محمد غلاي انجاي – حفظهُ الله ورعاه – : “بِمَا أن الكائن الآدمي يختلف مع الكائنات الحية الأخرى في أنه يتمتع بذاكرة تحتفظ بتجاربه السالفة الماضية بحيث يتسنى له، على مر الأيام والسِّنين، استرجاع وإعادة تلك التجارب بوصفها ذكريات مترسبة داخل فضاء ذهنه الفسيح؛ وبالرغم من أن الشيخ الخديم – كما أسلفنا – لا يُكنّ لأعدائه مقدار فتيلٍ من الكُره أو الضغينة، بل إنه قد عفا عنهم في كل ما تلبست به أيديهم من الطفيليات التي استهدفت تقويض دعوته الإصلاحية، إلا أنه، بحكم كونه آدميا، ليس في مقدوراته أن ينسى تلك الذكريات البشعة التي كابدها وتعرَّض لها بشدة في غيبته البحرية. ذلك لأن العفو (Le Pardon) لا يقتضي أو لا يعني بالمرة النسيان (L’oubli)، لذا حاول الشيخ جاهدا ليجد صارفا يمنعه أو “يلهيه” ويشغله عن تذكر تلك البشعات والاضطهادات اللاآدمية التي ذاق مرارتـها من قِبَلِ السُّلطات الاستعمارية الفرنسية، والتي في استحضارها وتذكُّرها قد توقظ مشاعر الحقد والكراهية ضد من اضطهدوه. لقد عثر الشيخ على هذا الصارف في “الشكر”، أي في تبنِّيه إستراتيجية “الشكر” بدلا من “التذكر”. وفي هذا يقول:
شُغلت بالشّكور عن تذكُّر = ما قد جَرى بيني وبين العَسكر

وقوله:
كُليتي اسْتغنتُ عَن اشتكاء = وكلِّ ما يجرّ للبُكاء
شَغلني شُكر إله قبلا = كُليتي عَن ذكر ماض من بلآ

وإحلال الشكر مكان الذكريات السيئة لكي يسدَّ بابها يُومئ، بل يدل دلالة قاطعة على سيطرة الروح الإيجابية في فكر الشيخ الخديم وفي فلسفته في الوجود والحياة، كما أنه، من زاوية أخرى، توقان دائم ومستمر إلى الكمال الإنساني من خلال إنماء المنن الإلهية وتجدُّد المِنح الرَّبانية دون انصرام.

وهذا بدون شك درس راق جدا يجب أن نتعلمه ونستلهمه أيضا من العالم البَوَلِي، أي كيف يُمكن لنا أن نجعل من ذكرياتنا السَّلبية مدرجًا للترقي بدلا من أن تشكل حجر عثرة يعتري سبيلنا نحو التقدم، بتعبير آخر كيف يُمكن لنا أن نُحوِّل العمل السلبي الواقع في الماضي إلى عمل إيجابي في المستقبل”.
[من كتاب: الشيخ أحمد بمب سبيل السلام، للأستاذ محمد غالاي انجاي، مطبعة المعارف الجديدة، 2011، ص: (116 – 117)]

سرين امباكي جُوب خضر خريج معهد الدروس الإسلامية ومدرس اللغة العربية والعلوم الشرعية في معهد الخليل الإسلامي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock