الدين و الترييةالسياسةالعمل والمستجدات

“دور الشيخ امباكي بوسو ، وإنجازاته الفلكية”

“دور الشيخ امباكي بوسو ، وإنجازاته الفلكية”
أولا : قرية كد :
لقد أنشأ الشيخ امباكي قريته كد (Guédé) حوالي سنة 1918م علي الأشهر من الروايات الواردة . وهذه القرية المباركة التي أُنشأت بإذن من الشيخ الخديم رضي الله عنه ، أثناء إقامة الشيخ فـي البقعة الـمباركة بجوربيل . أمر مريده الصادق بالإنتقال من مركز إقامته (الأزهر) إلـي شمال طوبي بمسافة ميلين تقريبا من الـمسجد الجامع الخديمي الذي كان مجرّد فكرة لم ير النور بعدُ .
وعلي ذلك انتقل الشيخ امباكي بوسو من مقر إقامته الـمسمي بالأزهر الشريف والـمشهور حاليا بِـ( امبسوبه) الواقع قرب “اندام” إلـي غيدي .
ومنذ ذلك التاريخ أصبحت القرية عامرة معمورة بالعلم الصافي ، والـمعرفة الإلهية ، بفضل شخصية المؤسس وغزارة علمه ، وكانت محط طلاب العلم والـمعرفة من كل جهة وصوب ، وهو مما أكسبتها شهرة وصيتا من بيـن القري السنغالية .
ثانيا : الـموقع جغرافيا :
تقع قرية “كد” فـي إقليم جوربيل وفـي مقاطعة “امباكي بول” تحديدا . وكانت قرية منفصلة عن مدينة طوبي الـمحروسة إلا أنها باتتْ فيما بعدُ من أحيائها الشعبية الكبيـرة الـمحيطة بـها ، وذلك بفضل التوسع السكاني الديموغرَافِي السريع لـطوبي ، بداية الثماثينات والتسعينات وأصبحتا متلاصقتين تماما وكأنهما امتداد طبيعيّ رَتْقًا ، مثلُها مثل بقية القري والـمدن الـمحيطة ، والقريبة لمدينة طوبي المحروسة .
وفي بيان الـمسافة بينها (كد) وبين طوبي يقول الشاعر الموريتاني الشيخ الحاج عبد الله بن عبيد الرحمن العلوي وهو يرثي الحاج مبكي البصوبي :
وبــــيـــنـــَهـــــا وبـــيــــنَ طــــوبـــــى مِـــيــلُ وإن يــــــــزدْ فـــــــزَيـــــــــــــده قــــــلــــيــــلُ
ثالثا : سبب التسمية :
قيل بأنها اكتسبت اسمها من حوض كبير كان يقع بالقرب منها ، وما زالت آثاره باقية حتي الآن، وكأنها بُنيتْ علي مشارف حوض كبير ، ومن ثّم نالت اسمها وكنيتها .
وكل من يعرف هذه القرية ، وخاصة في موسم الأمطار يمكن أن يستدرك ذلك بسهولة من خلال الصعوبات التي يعانيها في الطريق للوصول إليها .
ومما يؤيد علي الرواية المذكورة أننا لن نعثـر علي قطعة ثراثية أو كتابية تَنص علي التسمية ، وكثيرا ما كان علمائها ينصُّون علي أسماء القري والـمدن بنصوص أدبية أوغيرها …. الخ ، ولو ثبت عكس ذلك فعلا، لكان واقعا ملموسا . الله أعلم .
رابعا : مكانتها العلمية :
مما لا يتناطح فيه كبشان : مركزيَّة هذه القلعة العلمية الرصينة ودورها الحيوية التـي لعبتها فـي انتشار العلم والـمعرفة بيـن الأجيال السابقة واللاحقة من الـمريدين ، وكانت بمثابة منبع علمـي فريد، يرتاده الطلبة والتلاميذ من بقاع شتي .
وكان الهدف واضحا من بنائها هو أن يكون : مركز شُعاع ونشر للعلم فـي أوساط الـمريدية التـي كانت في طور النشأة والتطور .
وأن يكون مركز تكوين للأئمة ، وتوجيه القبلة لـمساجد وجوامع البلاد التـي كانت فـي بدايتـها ، ولأن الطريقة المريدية آنذك فـي أمس الحاجة إلـي من يقوم بـهذه الـمهمة الصعبة ، ومن يعمّق الأبحاث العلمية في هذا المجال .
وهي بداية الفترة لنشأة القري والـمدن الـمريدية علي أصقاع البلاد طولا وعرضا ، وكلها كانت فـي حاجة مُلحَّة إلـي مثل هذه الـمواقف العلمية المذكورة ، والأدوار الإسلامية الضرورية حيالها.
وأن يكون : مركزا لإقامة حدود الله وشرائعه علي مخالفيه ، ودارا للقضاء والإفتاء، وللإجابة عن الأسئلة الطارئة .
وأن يكون : دارا لتذليل الـمُهمات الصعبة ، علي طريقة ديبلوماسية ، ولإصلاح ذات البين ، وفض النـزاع بين الخصوم .
وأن يكون : القوة الناعمة للطريقة الـمريدية .

2 / نبذة عن الشيخ امباكي بوسو :
من هو الشيخ محمد البسوبي ؟
وهو الـمشهور بالحاج امباكي بوسو (1864م 1946ت ) وهو غنِـيٌّ عن التعريف في هذا القُطر ، من خلال أدواره ومواقفه الـمختلفة ، وهو من أسرة عريقة ذات صلاح وتقوي .
وقد برز نجمه فـي صغره بارعا ذكيا فطنا سالكا سلوك أولياء الله الصالحين ، محبا للبحث العلمـي والتدقيق الفكري .
ويكفيه أن شيخه كان يؤانسه ويعشق فـي قلبه عشقا عميقا إلـي لقائه ومعايشته باستمرار. وهو الذي يقول فـي ذلك مجيبا له فـي قطعة شعرية بادرها الشيخ امباكي في حق الشيخ الخديم بعد طول عهد ، وردّ الشيخ الخديم بهذه الأبيات الجميلة قائلا :
فَـمِنِّـي إلـى مــن مَالَ قَلْبــي لِلُقيـــــــاهُ – —- خليلـي أنيسي مَـن رضِينـا سَجَايـَـــاهُ
ســـــــــلام سليــــم لا يُضاهـــــــي تحـيــــَّـةً —– يُشيِّعـُــــهُ شـــــوق ومـــــــــدحٌ أَدَمْنَـــــــــــاهُ
وبعـــد : فإنــــي يــا بـن خالــــــي وعمتـــــي —– أُديـــــم الـــذي قد كنـــتَ ترجـــوا وترضـــــاه
لـــك اللَّـــــه لا ألفــــــى لِعهــــدِك ناسيــــــا —— فــلا تكـــ إلاَّ مـثــــلَ مـــا نــــــــحـــنُ كُنَّـــــاهُ

وهذه الأبيات الأربعة تكفي لوصف عمق تلك العلاقة الأخوية الدينية الروحية التي تربطهما ، ومكانة الشيخ امباكي بوسو عند الشيخ الخديم رضي الله عنهما .
وكان عالما كبيرا بارزا ، سار البلاد شرقا وغربا لطلب العلم والـمعرفة ، فلما رجع من رحلته العلمية أقام أول مركز علمي أو كتَّاب خاص له فـي منطقة بول بِـحي “الأزهر الشريف” وسمَّاه بهذا الإسم تَيمُّنا وتفاؤلا أن يكون كاسمه فـي القاهرة الفاطمية ، وذلك سنة 1902م.
وكوَّن فيه الجيل الأول من أبناء الـمريدين منها أبناؤه الكبار الذين ورثوا غزارة علمه وزهده وتقواه .
وبإذن من الشيخ الخديم انتقل إلي قريته الـمباكة (كد) 1918م . وفيها واصل مهامه ودوره المنوطة علي عاتقه ، وكأن الشيخ الـمؤسس صمَّمَ بفكرته هذا أن تكون قرية كد الحديقة الخلفية لطوبي تدور أمورها وشؤونها الداخلية فـي حين غفلة أهلها .
وأنه كان صاحب الكلمة العليا والأخيرة في كل ما يتعلق بالأمور الدينية بمثابة الوزير الـمفوض للشؤون الإسلامية دون تنازع .
وأكبر دليل علي ذلك هو من علَّل واعتذر الشيخ الخديم لعدم حضوره صلاة الجمعة فـي الـمسجد الجربلي ، وقال إن الشيخ لا يلزمه الجمعة بتاتا بمركز إقامته الجبرية ” لأنه لم ينوِ الإقامة قطُّ” يعني الإقامة بمدينة جوربيل ، وإنما كان كُرهَا وإجبارا من قبل السلطات الإستعمارية . ومن شروط الجمعة نية الإقامة فـي مدينة .
وهو من أعطي الإذن للشيخ إبراهيم فاط امباكي بإمامة أول جمعة أقيمت داخل الـمسجد الجربلي كما حكي الشيخ محمد جوب الدكاني في الإرواء النديم ، وقال بالحرف الواحد : “وأول من أقام فيه الجمعة أخوه الشيخ إبراهيم بموافقة الشيخ امباكي بوسو ”
وذلك بحضور الشيخ الخديم وأبنائه الكبار ، وأهل الحضرة الخديمية رضي الله عنهم أجمعين. وفي ذلك دليل قاطع علي زعامته وتمركزه علي رأس القمة .
وكان الشيخ يستشيره فـي القضايا الـمصيـرية منها : حادثة مغادرة الشيخ إلـي “امباكي باري” قُبيل “الغيبة البحرية” وكذلك قضية دمج أبناء الشيوخ الكبار إلي الـمدارس الفرنسية وغيرها من مواقف نبيلة ، تُحمدُ عليه …………الخ .

3/ إنجازاته الفلكية :
لا شك بأن الشيخ امباكي عالم فلكي كبير ، له يد طولي في هذا الفن الشيق ، وقد أنجز أبحاثا فلكية فريدة عميقة كغيره من علماء هذا الفن ……
ومن مؤلفاته وأبحاثه الفلكية كتابه الشهير:
1 يواقيت الصِّلات ، في تقريب مواقيت الصَّلاة .
2/ القبلة وكيفية الإستدلال عليها لأهل القطر السنغالي .
3 مسائل من علم الفلك
4/ شرح كتاب “المقنع في علم الفلك ” للسوسي .
5/ منظومات وأبيات متفرقة .
وهذا من الجانب النظري التعبيـري ، وأما من الجانب التطبيقي فكانت حياته كلها حافلة بالتطبيقات للظواهر الفلكية المتنوعة من مراقبة ومتابعة مستمرة ، حيث مكث قرابة ثلاثة وثلاثين (33) سنة في بحثه.
عاكفا بمراكزه متابعا مُراقبا سيـرة الشمس وتحركاتها من الشرق إلي الغرب ، ووقت الزوال الذي يكون في منتصف النهار بين وقت الشمس وغروبها ، فيصبح الظلال لكل شيء يظهر من الجهة الشرقية بدلا من الجهة الغربية .
وتحديد الزوال علي وجه الدقة ، وهو مِمّا كان عائقا كبيـرا علي هذا القُطْرِ السنغالي ، وشمَّر الشيخ امباكي بوسو عن ساعد الجدِّ حتي وصل إلي تلك الحقيقة الـمجهولة ، وإن كانت الكُـلفة غالية وبعيدة الـمنال في أيامه .
ومن أجل ذلك ابتكر “ساعة شمسية” أو مِزْولةً التـي تتماشـي وتُضبط وِفق سيرة الشمس علي سماء “طوبي” .
وهي عبارة عن مساحة أرضية مستديرة كرويَّة الشكل ، تُستخدم الإسمنت في الغالب لِتثبيتها علي الإرض ، وعلي بُقعة منبسطة مستوية تماما ، ثم يُنتَصبُ وسَطها عُودا مستقيما لتحديد زوال الشمس عند منتصف النهار ……. الخ .
وكذلك بيان بعض من الظواهر الفلكية كمسامتة الشمس علي طوبي المحروسة وهي تعامدها …
ومنها أيضا بيان موقع طوبي علي الكرة الأرضية وهي “الدرجة الفلكية” الخاصة بها وغيرها من دقائق ومسائل مهمة لا تعد ولا تحصي .
وإثر انتقاله إلي جوار ربه ورث أبناؤه الكبار غزارة علمه ، وكانوا خيـر خلف لخيـر سلف . منهم الإبن البكر صاحب التعليقات والتذييلات لـمؤلفات والده .
وكذلك الشيخ مولاي علي والشيخ حسن والشيخ محمد الباقر الذي كان يقوم دورا كبيـرا بتوجيه القبلة للمساجد والجوامع وإصدار إمساكيات رمضانية فـي طوبي وما حولها بل علي طول البلاد غربا وشرقا .
وبعد رحيل جيل الأول من أبنائه الكبار ، قام بعض من أحفاده بمواصلة المهمة من أمثال الشيخ مصطفي باقر الذي قام بدور أبيه ووارثه في الـمهمات الفلكية . والشيخ جيـرن بوسو مولاي العالم الفلكي المدقق ، وشقيقه الأصغر سرين سيد مولاي الذي بدوره لعب دورا بارزا في تصحيح المسار العلمي للمدرسة الكدوية عامة ، و فـي كافة اتجاهاتها الفلكية ، والأدبية ……….. الخ.
وفي الأيام الأخيـرة أُنشأتْ لجنة علمية فلكية خاصة تهتم بجميع القضايا الفلكية والتـراث الكدوي بمبادرة من سرين حمَّاد بوسو ابن الشيخ أحمد الخديم الثالث الـمشهور بـــــ (سرين انجانج ) ابن العلامة الشيخ امباكي بوسو .
والهدف من إنشائها جمعُ العامليـن والـمهتميـن الباحثيـن الفلكيـيـن من أسرة الشيخ امباكي بوسو من أحفاد ، وأبناء الأحفاد لـمتابعة القضايا الفلكية علي شكل مدرسة أكاديمية وهـي تسيـر علي خطـي السلف الصالح ، ومن ثَمَّ إضافة الـمزيد حوله من مستجدات زمنية ، وكذلك إتاحة الفرصة للجيل الـمستقبِل لحفظ هذا التـراث العلمي الغالـي كابرا عن كابر وحتـي لا تتناثـر الغبار عليه ، وتطاير متفرقا شظايا .

أبو البـركة سيدي مولاي البسوبي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock