السياسةالعمل والمستجدات

التّعريف بالشّيخ محمد المرتضى امباكي و دواعي تأسيس مؤسسة الأزهر الإسلامية للتربية والتعليم و مراحل تأسيس “مؤسسة الأزهر الإسلامية “

التّعريف بالشّيخ محمد المرتضى امباكي و دواعي تأسيس مؤسسة الأزهر الإسلامية للتربية والتعليم و مراحل تأسيس “مؤسسة الأزهر الإسلامية ”

نشأته رضي الله عنه:
ولد الشيخ محمد المرتضى ـــ رضي الله تعالى عنه ــــ يوم السبت السادس والعشرين من ربيع الأول سنة 1340ﻫ. الموافق للسادس والعشرين من نوفمبر سنة:1921/11/26 في “دار العليم الخبير” البلدة التي أسسها والده الشيخ “أحمد بمب ” ــــــ رضي الله عنه ــــ مؤسس الطّريقة المريدية، وأسكن فيها الشيخ عبد الرحمن لوح لتعليم وتحفيظ القرآن الكريم وتربية الأولاد.
وقد سمّاه والده ب:{محمّدٍ} وأضاف الشيخ عبد الرحمن لوح فيه “المرتضى” واستمر اسمه كذلك معروفا ب:{محمّد المرتضى}.
ووالد الشيخ “محمد المرتضى امباكي ” هو الشيخ أحمد بمب مؤسس الطريقة المريدية في السنغال.
أمّا والدته فهي السيدة “فاطمة جوب” المشهورة ب (سغن فاط تُوتِي) وهي عالمة، وحافظة، ومتقنة للقرآن الكريم، ولها التّوفيق، والفضل بكتابة خمسة مصاحف بخط يدها.
تعلمه رضي الله عنه:
بالرغم من أنّ والده “الشيخ “أحمد بمب” توفي قبل أن يبلغ سنّ التعلم، كتب الله له التوفيق بأن يحتضنه أخوه الأكبر الخليفة العام الأول للطريقة المريدية “سرين محمد المصطفى امباكي”

وقد أرسله إلى قرية (حسن المئاب) المشهورة ب (تِنْدُودِي) ليبدأ هناك رحلته العلمية بيد “سرين محمد المختار آلِ لوح”.
وقد قضى “الشيخ محمد المرتضى” في تلك القرية سنوات؛ لتعلم القرآن الكريم، ولكن بسبب الظروف المعيشية السيئة التي كانت تسود القرية، وتعرقل تعلمه، عزم على الانتقال إلى “دار العليم الخبير” حيث يوجد كُتاب الشيخ “عبد الرحمن لوح” الذي عينه الشيخ الخديم في “دار العليم الخبير” لتعليم الناس القرآن الكريم، وتربيتهم تربية إسلامية.
وبعد أن حفظ القرآن الكريم بيد الشيخ “عبد الرحمن لوح ” رجع إلى الخليفة العام للطريقة المريدية الشيخ “محمد المصطفى امباكي”؛ ليعلمه بعض الكتب الشرعية، ولكن بسبب انشغاله بمهام الخلافة المريدية لم يعلمه كتبا كثيرة، كما كان يتمنّاه، ودرّسه {تزود الصغار} و “رسالة ابن أبي زيد القيرواني”، ثمّ أمره بالانتقال إلى قرية {طوبى كَيِلْ} الواقعة على بعد عشرة كيلومترات عن مدينة “امباكي باوول”؛ ليواصل دراسته عند ” سرين محمد الأمين جوب الدغاني” ولكنه لم يمكث فيها مدة طويلة؛ لأنّ جو القرية لم يكن مناسبا له لشفاء غليله، ما دفعه إلى شدّ الرحال إلى موريتانيا لإكمال مشواره الدراسي.
رحلته إلى موريتانيا:
كانت موريتانيا في تلك الفترة قبلة كثير من المتعلمين الذين رغبوا في الشرب من المناهل العلمية الصافية؛ للنّبوغ في العلوم الشّرعية وغيرها.
فرأى الشيخ “محمد المرتضى امباكي” أن يولي وجهه نحوها.

وصل الشيخ “محمد المرتضى ” إلى موريتانيا بعد رحلة شاقة، ومكث فيها تقريبا سنتين تعلم من خلالهما علوما شرعية كثيرة.
ثمّ رجع إلى السنغال، ولكن حرصه على طلب العلم دفعه إلى الالتحاق بمجلس الشيخ ” حَسَنْ بُوصُو” بن الشيخ {الحاج امباكي بوصو}، وتعلم منه كتبا منها كتاب “الخليل”.

دواعي تأسيس مؤسسة الأزهر الإسلامية للتربية والتعليم
عملا بالنّصوص الإسلامية التّي حثّت المسلمين على تبليغ الدعوة الإسلامية قدر إمكانياتهم المتنوعة، سعى الشيخ “محمد المرتضى امباكي” اعتمادا على قوله صلى الله عليه وسلم ” بلغوا عنّي ولو آية ” إلى المساهمة في تبليغ الدعوة الإسلامية، وخلقِ مشروعٍ قادرٍ على تربية الناس تربية إسلامية، وزرع التعاليم الدينية في أذهانهم، وإعداد أجيال تكون قادرة على خلق مستقبل واعد لدينهم ولبلادهم.
وتطبيقا لقوله تعالى ” اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ….” رأى الشيخ “محمد المرتضى امباكي ” أنّ التّعلم والتّعليم أمران مهمان أَوْلى الدين الإسلامي لهما اهتماما بالغا، وخصص نصيبا وافرا من الثواب لكل من يمارسهما، وأنهما الركنان الأساسيان للتجديد، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور.
وحسب المصادر التي تمّ الاطلاع عليها قام الشيخ “محمد المرتضى امباكي ” بالسعي إلى بناء مدارس إسلامية للتربية والتعليم لأنّه يرى أنّ الطريقة المثلى للتجديد هي التربية والتعليم، فلا يمكن للإنسان أن يؤدي الدور المنوط به في الأرض إلاّ بالعلم المبني على العلوم الشرعية أولا.

مراحل تأسيس “مؤسسة الأزهر الإسلامية ”
لمّا عزم الشيخ “محمد المرتضى امباكي ” في عام 7195م على أن يخطو خطوات جادّة نحو المساهمة في نشر الإسلام، وتنمية البلاد عن طريق بناء جيل إسلامي مثالي، طبّق قوله تعالى “…وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ “، وقام بمشاورة الخليفة العام الثاني للطّريقة المريديّة الشيخ “محمد الفاضل امباكي” الّذي استحسن الفكرة، ونوّه بها، وعبّر له عن فرحه العميق فيها وقال له: (نعم هذا واجب! إنّك وكيلنا في هذا الأمر وفي هذه المهمة!) ثم طلب من الشّيخ “محمد المرتضى” أن يرسم له الخطة التي يسعى إليها لمساعدته على تحقيق مشروعه؛ فقال له الشيخ “محمد المرتضى” مجيبا له: (نطلب إذنكم كتابيا ودعواتكم ظاهرا وباطنا).
ولكن الشيخ “محمد الفاضل امباكي” لعمق فرحه في الفكرة، ونيته الصادقة في دعمها، طلب في نفس الجلسة من أمينه السيد ( دَامْ دَرَامِي) أن يكتب له رسالة موجهة إلى الحاكم عن الحكومة الفرنسية المستعمرة؛ لطلب رخصة إنشاء مدرسة، وبعد أن وقّع الشيخ “محمد الفاضل” الرسالة سأل أخاه “سرين محمد المرتضى” هل يُفضل أن يرسل الرسالة عبر البريد أم يحملها شخصيا إلى الحاكم العام؟ فاختار الشيخ (محمد المرتضى) حمل الرسالة شخصيًّا إلى الحاكم في (اندر).
والملفت للنّظر أنّ الشّيخ “محمد المرتضى ” بسبب حنكته وذكائه، ودقته في الخطة التي رسمها؛ لتطبيق أفكاره التجديدية في التربية وغيرها في أرض الواقع فضّل أن تحمل الرسالة توقيع جميع الشخصيات الدينية وزعماء الطرق الصوفية في السنغال حتى تنال موافقة حاكم “اندر” بسهولة فقام بجولة في السنغال لعرض الفكرة عليهم، والحصول على توقيعاتهم التي ترمز موافقتهم على الفكرة.
وقد ذكر الشيخ “عبد الرحمن مصطفى لوح” عميد كلية العلوم الدينية والإنسانية والحضارات ب “دار العليم الخبير” التّابعة لجامعة الشيخ ” أحمد بمب” (UCAB) في بحثه المعنون ب (الشيخ محمد المرتضى امباكي ودوره البارز في التّوسع المريدي) أن الشيخ “محمد المرتضى” قام بجولة واسعة في البلاد برفقة (سرين مصطفى عبد الرحمن لوح) لجمع توقيعات الشخصيات الدينية، وذهبا إلى الشيخ {محمد البشير بن الشيخ الخديم} والشيخ {أحمد امباكي بن محمد المصطفى}، والحاج {إبراهيم انيَاسْ} الذي تبرع بعشرة أطنان قمح؛ دعما للفكرة ! والشيخ {عبد العزيز سِهْ}، والشيخ{سعيد نور تالْ}، والشيخ {أبو محمد الكنتي}فوقّع كلهم على الرسالة.
وقد علّق الشيخ “عبد الرحمن مصطفى لوح ” على جولة الشيخ “محمد المرتضى ” في البلاد لعرض الفكرة على زعماء الطرق الصوفية في بحثه المذكور وقال:

إنّ الجولة والتوقيعات كانت إشارة واضحة بكون (مؤسسة الأزهر للتربية والتعليم) مؤسسة إسلامية لجميع المسلمين والمسلمات؛ كما كانت حُجَّة على الحاكم أنّ زعماء الطرق قد وافقوا على هذا المشروع الإسلامي! ولكي لا يجد سبيلا للرفض، وتبريره بمبررات لا تستند إلى الصّحة، والمنطق السليم.
وبعد تسليم الرسالة إلى حاكم “اندر” في عام 1957م تلقت الرسالة القبول في عام 1959م من حاكم “اندر” بواسطة الحاكم الإقليمي في “امباكي بوول” القائد العسكري السيد (لَهْ شَارْيُو) الّذي أصدر بيانا عن موافقة حاكم “اندر” على إنشاء الشيخ “محمد المرتضى امباكي ” معهدا عربيّا إسلاميّا للتربية والتعليم.
وبسبب انفتاح الشيخ “محمد المرتضى امباكي” وانشراح صدره لأخذ أي فكرة وخبرة واقتراح تخدم مشروعه التربوي، قام بجولة واسعة استغرقت تقريبا تسعة أشهر في عام 1964م ـــــ بعد حصوله على إذن حكومي رسمي بإنشاء معهد إسلامي عربي للتربية والتعليم ـــــ في الدول العربية التي لها خبرة واسعة في التعليم العربي الإسلامي، فزار العراق، والكويت، ولبنان …. برفقة الشيخ (مصطفى عبد الرحمن لوح ).
وبعد هذه الجولة قام الشيخ “محمد المرتضى ” في عام 1967م بجولة ثانية في الدول العربية برفقة صاحبه الشيخ “مصطفى عبد الرحمن لوح” وزارا المملكة العربية السعودية ودولا عربية أخرى،

ونال من خلالها موافقة جامعة الأزهر المصرية على تبني مشروعه التربوي الّذي يحمل اسم (معهد الآداب العربية للدراسات الإسلامية) ، والاعتراف به، وإرسال مدرسين إليه سنويا، مع تحمّل رواتبهم، وجامعة الأزهر لا تزال تفي بهذا الوعد الذي قطعته لنفسها إلى حد الآن.
وقد نقلنا عن “سرين عبد الرحمن مصطفى لوح” أن جريدة الأهرام المصرية نشرت قرار موافقة جامعة الأزهر على تبني المشروع التربوي (معهد الآداب العربية للدراسات الإسلامية).
ويجدر الذكر في هذا الصدد أن الشيخ “محمد المرتضى” عدّل اسم مشروعه التربوي (معهد الآداب العربية للدراسات الإسلامية) إلى (معهد الأزهر للدراسات الإسلامية) اعترافا بالمعروف الذي أسدته “جامعة الأزهر ” إليه.
وبعد كل هذه الإجراءات الشاقة التي قام بها في السنغال وخارجها، رأى أن يبدأ المشروع في “دار العليم الخبير”، فقام ببناء فصول حسب قدراته المالية، ولكنّ الرياح الشديدة التي كانت تسود جوّ “دار العليم الخبير” هدمت بعض جدران الفصول، وفعلتها ما فعلت، وحالت دون قيامها.
ولكن العناية الربانية جاءت؛ فقام الخليفة العام الثالث للطّريقة المريدية الشيخ (عبد الأحد امباكي ) بتشكيل لجنة برئاسة الشيخ (مصطفى بن الشيخ محمد البشير) والشيخ (عبد الودود بوصو) و (مصطفى عبد الرحمن لوح) تقوم بجولات في البلاد لشرح مشروع ”
الشيخ محمد المرتضى” التربوي للنّاس، وقام بالإعلان رسميا في الإذاعة السنغالية الرسمية (RTS) عن أنّ الوفد الذي يجوب في البلاد، تمّ تشكيله باسم الخلافة المريدية، وما يقوم به يمثل الخلافة المريدية، وأوضح أنّ المعهد الذي يسعى “الشيخ محمد المرتضى” إلى بناءه كان من أهداف الشيخ الخديم، ومن واجب الجميع خاصة المريدين دعمه.
وبعد مشقات كثيرة تكبّدها الشيخ “محمد المرتضى امباكي ” في سبيل تحقيق مشروعه التربوي تمكن من بناء فصلين للمعهد، وتدشينه في السّنة الدراسيّة 1974ـ/ 1975م.
وقد بذل الشيخ “محمد المرتضى امباكي” جهودا حثيثة لمجابهة العقبات التي كانت تتمثل أمامه نتيجة كون السنغال دولة علمانية، فالرئيس السنغالي الأسبق “ليوبول سيدار سنغور” لم يكن يرضى أن يكون في السنغال مدرسة عربية إسلامية تخالف الأعراف العلمانية، فقام بخلق عقبات تحول دون نجاح الشيخ ” محمد المرتضى ” في مشروعه التربوي.
ولكن بسبب الخطوات التي تبناها الشيخ “مصطفى عبد الرحمن لوح” المدير الأوّل لمدرسة الأزهر الأم ب”دار العليم الخبير” (27 أبريل 1975 إلى1979م) بالتكاتف مع وزير الثقافة السنغالي الأسبق السيد “عبد القادر فال” الذي ألّم بمراوغات الحكومة لمنع الشيخ “محمد المرتضى”
من الحصول على الاعتراف الرسمي للمعهد، وأملى على الشيخ “محمد المرتضى” أن يُعيّن لمدير المعهد نائبا متفرنسا يكون على الأقل مقيّدا في السنة الثانية الجامعة؛ ليكتب تقارير عن المعهد،
ويقدمها إلى الحكومة بشكل دوري، لأنه يرى أن الحكومة إذا كانت على اطلاع دائم على الأنشطة التربوية للمعهد، ستمنح ثقتها له، وتصدر له الاعتراف الرسمي.
وافق الشيخ “محمد المرتضى” على اقتراح الوزير “فال” وعيّن السيد (صَالحُ امْبُوبْ) نائبا للمدير الشيخ “مصطفى عبد الرحمن لوح”.
وبعد كل هذه الإجراءات الشاقة، والخطوات التي رسمها الشيخ “محمد المرتضى” وصاحبه الشيخ “مصطفى عبد الرحمن لوح” بحكمة وحنكة لاجتياز العقبات، وقعت الحكومة على قرار الاعتراف، وأصدرته عام 1978م تحت رقم : 73ـ 11ـ 78. 1978/12/15.

المصدر / كتاب سرين مام مور مرتضى والتّركة الأزهرية التّحدّيات والإنجازات لـ ( الكاتب الصحفي عبد الأحد امبينغ )

منقول

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock