الدين و الترييةالسياسةالعمل والمستجدات

حَادِثةُ الفِيلِ الشَّهِيرة فِي الكِتَاباتِ الخَديميةِ

حَادِثةُ الفِيلِ الشَّهِيرة فِي الكِتَاباتِ الخَديميةِ

قد تطرَّقَ الشيخ الخديم – رضي الله عنه – إلى ذكرِ حَادثةِ الفِيل المشهُورة التي تزامنتْ مع ولادة الرسُول – ﷺ – بمكة المكرمةِ، فقال في قصيدتهِ (جذب القُلوب):
نَحَا إلى الْبَيْتِ الْحَرامْ = لِكَيْ يصِيرَ ذَا انْهِدَامْ مُسْتدْرَجٌ مِنَ الأنامْ = لِلْجَهْلِ بِالْمُعَظَّمِ
وَاللهُ جلَّ فَعَلاَ = بِجيْشِهِ مَا فَعَلاَ
بِجاهِهِ وَجَعَلاَ = كَيْدَهُمُ فِي الْيَهَمِ [1] فالْكُلُّ مِنْ ذَوِي الْبَطَرْ = مَاتَ بِأسْوَإِ الْحَجَرْ [2] جَعَلَهُمْ رَبُّ الْبَشَرْ = كَلُقَمِ لِنَهَمِ [3]

وقال – رضي الله عنه – في قصيدة مطرزة بـ(البسملة):
يا مُرسِلاً طَيْرًا أبَابِيلَ عَلَى = مَنْ قَصَدُوا بَيتَكَ مَوطنَ العُلَى

ولله درُّ العلامة التِّجاني الشيخِ أحمد تجان سه المكتوم – رحمه الله تعالى – حين قال في قصيدتهِ (يا سَادة الناس غرتكم ظنونكمُ):
ألم تري كيفَ جَازا اللهُ أبرهةَ = طيرًا أبابيلَ ترمِي بالحِجَاراتِ

يُشير إلى حَادثةِ الفيل الواردة في كتب السِّير وفي القُرآنِ الكريمِ حيثُ قال اللهُ تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ} [سُورة الفيل: 1 – 5]

ويقول الدكتور محمد غلوش العالمُ المُتبحِّرُ في الإعجاز العلميّ في بيانِ كلمة أبابيل: “كلمة اختلف على معناها كل التفاسير، ولكن أصلها وجذرها أبل وأبل زاد وكثر وتوحش، ومنه أتى إطلاق اسم الإبل على النُّوق فمعناها الكبيرة المتوحشة من توحّش الحَجم.

إذن الأبابيل تعني: فأرسلنا عليهم طيورا كثيرة كبيرة متوحشه. إذن الأباييل ليست اسما للطيور، فلا توجد طيور تسمى الأبابيل، بل هي صفه للطيور التي أرسلها الله، ولا تمت الصور الموجودة على الإنترنت للطير الأبابيل بأي صله لها، فهي طيور ذات حجم كبير مخالباها كبيرة تجعلها تحمل صخورا حارقة دون أن تحترق مخالبها أما الطيور الصغيرة لا تستطيع ذلك أيضا يجبُ أن تكون الطيور مرعبة لجيشِ أبرهة حتى ينهزم معنويا قبل هزيمته بالأحجار الحَارقةِ”.

وتُعدُّ هذه الحادثة منْ أعظمِ دَلائِل نُبُوتهِ ومنْ جُملةِ الإرهاصاتِ التي ظهرتْ قبل ولادة سيِّدِ الأوَّلينِ والآخِرِينَ وزَيْنُ الأكْمَلِينَ مُحمَّد – ﷺ -.

ولقد اختُلف عُلماء أهل السّير والتاريخِ في تحديد تاريخ ولادة النبي – ﷺ – يومه وشَهره وسَاعته على عدَّة أقوال، وكان ابن عبد البر – رحمه الله – يرى أنه – ﷺ – وُلد لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول، وأما ابن حزم – رحمه الله – فهو يرجح أنه لثمانٍ خلون منه، وقيل: لعشرٍ خلون منه، كما يقوله أبو جعفر الباقر، وقيل: لثنتي عشر منه، كما ذكرهُ ابن إسحاق، وقيل: وُلد في شهر رمضان، كما نقله ابن عبد البر عن الزبير بن بكَّار”. [ينظر “السّيرة النبوية” لابن كثير، ص: (199- 200 )] .

ويقُول العلامة المباركفُوني صاحبُ كتاب “الرحيق المختُوم”: “ولدَ سيِّد المُرسلين – صلى الله عليه وسلم – بشِعْبِ بنِي هاشم بمكة في صبيحة يَوم الاثنين التاسع من شهر ربيع الأول”.

ويقول بعضهُم: “ومن المعلوم أن نبينا – ﷺ – وُلِدَ في يوم الاثنين من ربيع الأول، فعن أبي قتادة – رضي الله عنه – أن رسُول الله – ﷺ – سُئِل عن صوم يوم الاثنين، فقال: (فيه وُلدتُ، وفيه أُنزِلَ عليَّ) رواه مسلم، ولا خلاف في كون مولده – ﷺ – يوم الاثنين بمكة المكرّمة عام الفيل، فعن قيس بن مخرمة – رضي الله عنه – قال: (وُلِدْتُ أنا ورسول الله – ﷺ – عام الفيل) [رواه البيهقي].

وأكثر أهل السِيَّر على أنه صلوات الله وسلامه عليه وُلِدَ يوم الثاني عشر من ربيع الأول بعد حادثة الفيل (570م – 571م) بخمسين يوما، قال ابن عبد البَرِّ: “وُلِدَ – ﷺ – بَعْدَ قُدومِ الفِيلِ بشهر، وقيل بِأَرْبَعِين يَوْمًا، وقيل بِخَمْسِين يوماً”.

ويقول صاحبُ البرزنجيُّ: “واختُلف فِي عام وِلادته – ﷺ – وفي شَهرها، وفِي يومها عَلى أقوالٍ للعلماء مرويَّة. والراجح: أنها صبَيحة يَوم الاثنين ثاني عشر شَهر ربيع الأول من عام الفيل الذي صَدَّه الله تعالى عن الحَرم وحَماه. وقَد وردت فِي بعض النُّسخ: بأنَّه وُلدَ قُبيلَ الفجر”. [ينظر: عقد الجوهر في مولد النبي الأزهر – صلى الله عليه و سلم -، للسّيد جعفر بن حسن بن عبد الكريم بن محمد ابن رسول البرزنجي الحسيني]

ومن المعروف أنَّ الشيخ الخَديم – رضي الله عنه – كانَ يجزمُ بأنَّ سيِّدَ الورى مُحمد ليث العِدى – عليه الصَّلاة والسَّلام – أبصر النُّورَ في يوم الإثنين الثاني عَشر من شَهر ربيع الأول المعظم ولم يقله شطحًا ودَعوًى عريضةً، فقال:
الحَمدُ للهِ الذِي قَد أرسَلا = رسُولَنَا مُحمدًا وبجَّلا
وهْوَ الذِي أسرَى بهِ إلَى الطباقْ = فِي ليلة الاثنَين “يَبْ” عَلى البُراقْ
وجعَل المَولدَ فيهَا وجَعَلْ = هِجرتَه فيهَا ونَال ما أمَلْ
ثم الصَّلاةُ والسَّلامُ أبَدا = عَليه فِي الآلِ ومَن تعبَّدا

ومن الأدلة على ذلك أنَّ أبا المحامد الشيخ الخديم – رضي الله عنه – كان يمدحُ النبي – ﷺ – خلال شَهر المولد النَّبوي الشَّريفِ بقصائد رائعة تتسم بالأمداحٍ الرَّائعة على الدَّوام لشَرفه وعَظمته لدى سَائر الصَّالحين، وفي هذا المعنى يقُول فِي قصيدته المُطرزة بـ”وإنَّك لعلى خُلق عظيم”:
لهُ عَليَّ لِوجه الله دَينُ ثَنا = بهِ يُجدّد دينُ الله ليلَ “يَبِ 12”

قوله: ليلَ “يَبِ” يَعني: الليلة الثانية عشر من شهر ربيع الأول الذي ولد فيه النبي – ﷺ-.

وقال أيضا في قَصيدته “الرائية”:
له عَليَّ لوجهِ الله دَينُ ثنا = مُستحسَنٍ كلَّ عامٍ يومَ يُختارُ

ومن الممكن القَول بأن قوله – رضي الله عنه -: “يومَ يُختارُ” كنايةٌ عن المَولد النَّبويّ الشَّريفِ الذي كان يكلف نفسه فيه على نظم قَصائد مَولدية مشتملة عَلى صَلوات نادريةِ وأمدَاح نَبويَّة بَهيَّة سَنويا.

وقد صرّح بهذا التاريخ المذكور في معرض ذكره بعضِ المَواهب اللدنية التي نَالها بفضل اعتنائهِ بالمولد النبوي الشّريف، حيثُ يقُول في قصيدته المطرزة بـ”ولكن لا تحبُّون”:
وصَل لِي المولدُ ليلةَ (يَبِ) = كرامة وصَانَنِي عَنْ رِيبِ
نفَعنِي المَولدُ لَيْلة (يَبِ) = مَع امّحَا مَكارِهي ورِيَبِي

وقال – رضي الله عنه – في قصيدة مطرزة بـ(هُم فيها خَالدُون):
وَجَّهَ لِي إحياءُ ليلةِ (يَبِ) = حقًّا حَمانِي عَنْ لَغًى وَرِيبِ

وقال في قصيدة مطرزة بـ(محمد):
مدَحتُه مَدحَ حبٍّ صَادقٍ ولهُ = عَليَّ إحْيَاءُ ما يكفِي العِدَى بِـ(يبِ)

ويقول الشيخُ الخليفة الحاج محمد انياس – رضي الله عنه – فِي قَصيدته الهَمزية:
وُلد المُصطفى بالاثنين في شِعـ = بِ أبي طالب وحقّ الهناءُ
ليل الإثنين فِي “يَبٍ” من ربيع = قد تجلَّت عنا به الظلماءُ

وقال الشيخ الحاج مالك سه – رضي الله عنه – في قصيدته النُّونية الموسُومة بـ«ريّ الظمآن في مَولد سَيِّد عَدنان»:
دَعا الرُّهبانُ أن جانا مبينٌ = تَتَبَعَتِ الْهَوَاتِفُ لِلثخِينِ
بِها حل الكواكب مشرقات = كما حل الملائك للحسين
ولِلْإِيوَانِ والشُّرُفَاتِ أمْر = شَهِيرٌ والْمَذِلَّةُ لِلْقَطِينِ
بِها نِيرَانُ فرْسٍ هَامداتٌ = وما للبحرِ منْ ماء معين
بها أنَّ اللعينَ بِها رجومٌ = ترَمَّت للشَّياطين الشّطون
سَلِ الأصنام هل نُكسَتْ برغمٍ = ذوو الأوثان فى دين ودين
لما فِي جَوفها إنشاء شعرٍ = يطرّبُ كلَّ ذي دينٍ ودينِ
مُجاوب سائلِي الأصْنام ماذا = يُمِيلُكُمُ ودُمتُم فى الركون
فمُفتقرٌ بمفتقر يُنادي = يضاعف ضعفه في كل حين
وعام ثم شهر ثم يوم = أتى فيه الهدى قرن القرون
سرور في سرور في سرور = وعيدٌ دون أعياد العيون
ربيعٌ والثنا فيه شهير = بعام الفيل يوما بعد نون
ومولده به شرفٌ وخيرٌ = ففي التعظيم إنجاح الشُّجون
ألا سُرُرُ الملوك لها جفولٌ = ونجمُ الكفر ذي نحسٍ مهين
ونازعت الطيور كذا وحوش = لحَنَّانٍ يكون رضى القطين

[ينظر: كتاب (الكأس الملآن من ريِّ الظَّمآن)، لِلشَّارح محمد السَّعيد باه ابن الشيخ الحاج أحمد التجاني بن أبي بكر الفوتي، شرح لـ(ريّ الظّمآن في مولد سيد عدنان)، للعلامة الشيخ الحاج مالك سِه، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع/ بيروت – لبنان، الطبعة الثانية، 2013م]

حَرّرهُ الأخ الباحث سرين امباكي جوب خضر الطوباوي خريج معهد الدروس الإسلامية ومدرس اللغة العربية والعلوم الشرعية في معهد الخليل الإسلامي وفتح المنان بطوبى دار القُدوسِ.

يوم الثلاثاء 24 من شهر ربيع الأول 1442ه‍ – 10 نوفمبر 2020م

الهَوامشُ:

1- الْيَهَمُ: الجُنُونُ. والأيهَمُ: الفَلاةُ الواسعة التي لا يهتدى بها للطَّريقِ.

2- الْبَطَرُ: الكِبْرُ.

3- اللُّقَمُ: جَمع لُقمة وهي ما يُلقمُ ويؤكَّلُ مِن الطَّعام في مَرّةٍ. والنَّهمُ: الشَّهوةُ في الشَّيءِ كالطَّعام ونَحوهِ.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock