الدين و الترييةالسياسةالعمل والمستجدات

رسالة الخليفة العام للطريقة التجانية الشيخ أبي بكر محمد المنصور سي أيّده الله ونصره بمناسبة المولد النبوي الشريف بمدينة تيواون .

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمان الرحيم
الحمد لله الذي شرف الوجود بطلعة خير البشر، مظهر لطفه وعين الرحمة المهداة
والنعمة المسداة، سيدنا محمد حبيب قلوبنا وقرة أعيننا ونور أبصارنا وبصائرنا وأل بيته وأصحابه وخلفائه الذين أمنوا وأزروه واتبعوا النور الذي أنزل معه وأولئك هم
المفلحون. ــ معالي وزير الداخلية والوفد المرافق له، ممثل فخامة الرئيس ــ أصحاب المعالي، السادة الوزراء والنواب ــ أصحاب المعالي، السادة الكارم، أعضاء الوفد المغربي، الممثل لجلالة الملك محمد
السادس، حفظه الله ورعاه ــ أصحاب السعادة السفراء الجلاء
ــ حضرات السادة ممثلي الخلفاء الطرق الصوفية والجمعيات ا إلسلامية في
الس نغال ــ السادة الفاضل ورؤساء الاتحادات والدوائر ــ السادة المجاد الحباب الوفياء
1
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
فإنها لفرصة عظيمة ولحظات سعيدة وأوقات ممتعة ينتهز المسلمون والمسلمات في كافة أصقاع المعمورة على اختلاف ألوانهم ولغاتهم وأوطانهم للاحتفال بذكرى ولادة سيد الوجود وخير البشر، سيدنا وحبيبنا ونبينا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، تمجيدا وتخليدا لهذا الحدث التاريخي الذي غيـر مجرى تاريخ البشرية بشكل
منقطع النظير وصورة أداشت كل العقول.
فكيف لا، وهذا الحدث يعد بحق من أكبر نعم الله تعالى للعالمين، يقول الله تعالى: ” لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسول من أنفسهم يتلو عليهم ٱياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين.”
فالاحتفال بولادته الطاهرة والفرح والسرور بها احتفال برسالته الخالدة العطرة،
الرسالة التي لخص غايتها صاحب الكتاب ” فقه السنة ” السيد سابق ـ رحمه الله ـ قائلا: ” والغاية التي ترمي إليها رسالة الإسلام هي تزكية النفس وتطهيرا عن طريق المعرفة بالله وعبادته وتدعيم الروابط الإنسانية وإقامتها على أساس الحب والرحمة
والإخاء والمساواة والعدل.”
وبذلك يسعد الإنسان في الدنيا والآخرة قال الله تعالى: ” هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم ٱياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين.3″

وهذه الرسالة المحمدية الشاملة جاءت لمحو الكفر والشرك والظلم والجور والفسوق
وإدخال السرور والفرح ومحبة الله الصادقة في قلوب العباد وإارشادهم إالى كل ما فيه رضى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
لقد صدق أمير الشعراء أحمد شوقي رحمه الله إذ يقول:
ولد الهدى فالكائنات ضياء ** وفم الــزمان تــبســم وسناء.
وصدق الشيخ الحاج مالك رضي الله عنه، مؤسس هذه المناسبة المباركة في قصيدته المسماة بـري الظمآن في مولد سيد بني عدنان:
وعــام ثــم شــهـر ثــم يــوم ** أتى فيه الهدى قرن القرون.
سـرور في سـرور في سرور ** وعيـد دون أعـيـاد الـعـيون.
ويعني رضي الله عنه أن عام ولادته صلى الله عليه وسلم عام سرور وبهجة
والشهر الذي ولد فيه صلى الله عليه وسلم أيضا شهر سرور وبهجة، واليوم الذي ولد فيه صلى الله عليه وسلم يوم سرور ونضرة وعيد فوق أعياد الناس كلها. ويقول أيضا في قصيدته المسماة بـالدر اليتيم والجوار الجسيم:
ألا عظموا ليل الولادة حسبة ** إذا لم يكن نـحو الحرام عدول.
ويشير في هذا البيت إلى ما لهذا الميلاد الكريم من عظمة وبشارة وسعادة للكون كله، إنه يوم يختلف عما قبله من الأيام والشهور والعوام. أجل: لقد كان المجتمع الجاهلي كما هو معلوم مجتمعا منحدرا إلى هاوية مظلمة.
كما يقول أيضا في قصيدته الكاملية في مدح خير البرية، المشهورة بـأبدا بروق:
وله إمام من تنهج نهجه ** يَسلك إماما كان خير إمام .
إنّ النَّعامة في اتباع نعامة ** تبعت نعامتَه مريد سلام.

ومعنى البيت الأول: للحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم كتابا (القرٱن الكريم)، كل من اتبع تعاليمه سلك خير المنهج وأكمل الصراط.
ومعنى البيت الثاني: إن النعامة أي السلامة في اتباع نعامة أي جماعة تبعت نعامته أي طريقته أيا مريد سلام.
ويشير إلى أن سلامة البشرية كلها تكون في اتباع جماعة تبعت طريقته أي سنته الغراء صلى الله عليه وسلم.
وعليه، أغتنم هذه الفرصة لأذكـركـم ونفسي بما وصى الله من قبلنا في محكم تنزيله: ــ ” ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله.” ــ ” إن أكرمكم عند الله أتقاكم ” ــ ” .
إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون.” ــ ” وتزودوا فإن خير الزاد التقوى وتقون يا أولي الألباب.”
كما أكد هذه الوصية الشيخ الحاج مالك عليه رضا العزيز المالك في قصيدة ذات صبغة خلقية سماه بـزجر القلوب عن حب دار الخَلوب، حيث يقول:

عليك التقى إن الخيور جميعها ** تضمنها إن التقي نجيب.
رعاياك فاطرد عن محارم ربنا ** بمنساة تقوى يجز منك مجيب.
َه
إخوة الإيمان والعقيدة :
إن تقوى الله المتمثلة في إتيان المآمورات واجتناب المنهيات هي البلسم الوحيد للخلاص مما نكابده اليوم من انتكاسات وويلات وفتن ومحن وأوبئة وأمراض قلبية وروحية واجتماعية وإقليمية ودولية.
فبدل من أن نقضي أوقاتنا وساعاتنا في الصراع واللهو والعبث والسخرية من
الناس و إفشاء عيوبهم والتفاخر بالنساب عبر الشبكات الاجتماعية، والسعي إلى إشعال نار الفتنة بين أهل لا إاله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين تربطهم عقيدة واحدة وقبلة واحدة. لماذا لا نحيد عن ذلك كله ونركز جهودنا على العمل
الجماعي الهادف إلى البناء والتشييد وإصلاح الفساد في الأرض.
إن أخلاق المعاملات وفق الأوامر والنواهي الشرعية هي روح العبادة ولبابها،
بل هي براهنها وشاهد صدقها، وإلإ فإن إخفاق العبد في مجال المعاملات بالتهاون
والتفريط، له عواقب وخيمة على عباداته نفسها، التي قد يكون مصيرها ضياع ثوابها
بسبب إساءات في معاملة الناس، كما أو حال المفلس الذي أخبر عنه وحذر الحبيب
المصطفى، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فقال: ” َأتَدرون َما الهفلس؟ قَالوا:
المفلس ِفينا من َلا ِدر َهم َله و َل متاع، فَقال: إن المفلس من ُأمتي من يآْتِ يوم القيامة
ِبصلاة وصيام وزكاة ويأتِ قد شتم هذا َ وقذف َهذا وأ َكل مال َهذا وسفك َدم َهذا و َضَرب هذا؛ فَيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته؛ فَإن فَنييت حسناته قبل أن يقضى ماعليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليهم ثم طرح في النار (أخرجه مسلم)

فَهذا المفلس جاء بالإسلام الظاهر في العبادات ِمن َصلاة َو ِصيام وز َكاة َولاكنه أساء ِفي معاملة الخلق في هتك ضَورياتهم: الدين والنفس والعرض والعقل والمال والنسل، وفرق في تدينه بين العبادة والسلوك، اجتهد في أداء حقوق الله بالعبادة،

وتنكر لواجب حقوق العباد. فحق له أن يكون يومئذ صفر اليدين. وذلك لأن عبادته لن تؤت ثمارا التي شرعت من أجلها، وهي ضبط السلوك وإحسان المعاملات.
ذلك الذي نفتقده اليوم في الكثير من أحوالنا، وقد اضطرب الكثير من أخلاقنا وساء الكثير من معاملاتنا في الوقت الذي أدرك أعداء المسلمين الحقائق عن مكارم أخلاق المسلمين، فعملوا على إفسادها بكل ما أوتوا من مكر ومآمرة ووسائل مادية وإغواء الشيطان، ليبعثروا قواهم المتماسكة بالأخلاق الإسلامية، وليفتتوا وحدتهم. إنهم قد عرفوا أن الأخلاق الإسلامية في أفراد المسلمين تمثل معاقد القوة، فجندوا
لغزو هذه المعاقد وكسر جيوش الفساد والفتنة .
فلنتصافح ولنتزاور ولنتحاب ولو اختلفت أنظارنا فلا تختلف قلوبنا، بل ندعو
الجميع إلى الاقتباس من أخلاق صاحب هذه الذكرى المجيدة سيدنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم القائمة على توحيد الله وتقديسه والصدق والوفاء بالعهد وكظم الغيظ والشجاعة ولإقدام والجهاد ومجاهدة النفس والمحبة والسلم والرحمة الاجتماعية أي الوقوف بجانب المحتاجين وتضميد جروحهم ومسح دموعهم وتقديم الخدمات الاجتماعية لهم وخصوصا في هذه الأيام التي يمر فيها العالم بأسوء أزمة صحية عرفها
التاريخ الحديث.
فمثلا لو طبقنا فريضة الزكاة كما دعا إلى ذلك القرآن الكريم في كثير من ٱياته لاضمحلت الفوارق الاجتماعية التي هي وراء كثير من المسائل والقضايا التي تقض مضجع كل واحد منا.

وبما أن كل منا راع ومسؤول عن رعيته، علينا أن نسعى سعيا حثيثا لبناء مجتمع راق متحضر يتألق بالقيم الروحية ويسعى بالمعاني الوجدانية، مجتمع يشع بالمثل العليا والفضائل المثلى التي لا غش فيها ولا نفاق ولا حسد لا محاسبة وما شابه ذلك من
أمراض القلب والروح.
والزكاة مال مقدر فرضه الله حقا للفقراء، وهي ثالث أركان ا الإسلام وفريضة من الفرائض العظام التي أمر الله بها في كتابه الكريم وحث عليها الرسول صلى الله عليه وسلم في سنته المطهرة وقرنها بالصلاة في أكثر من ثمانين موضعا وأجَع العلماء على
وجوبها.
يقول الله تعالى: ” خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم.8″
وهي صدقة تؤخذ من أموال الأغنياء إلى الفقراء الذين عضهم الدار بنابه ومن فوائداه أنه يمحو الله بها الخطايا ويتجاوز بسببها عن الزلات كما جاء في حديث الرسول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: ” الصدقة تطفئ الخطيئة.” أخرجه ابن
حبان في صحيحه.
وهي تحقق التكافل بين أبناء المتمع المسلم، وذلك لأن الناس مختلفون ومتفاوتون في قدرتهم على تحصيل الرزق، قال الله جل وعلا: ” والله فضل بعضكم على بعض في الرزق.9″
8 سورة التوبة، الآية 423. 9 سورة النحل، الآية 11. 7

وبوجود فريضة الزكاة يتحقق الكفاف للفقير ويقل الفارق بينه وبين الغني. فالزكاة وسيلة مثالية لتحقيق معنى التعاون والتضامن بين الناس وتساعد في زيادة الحركة الاقتصادية للمجتمع، وذلك لأن الزكاة فيها إلتزام بدفع جزء من المال لصالح الفقراء والمساكين الذين سيصرفون هذا المال مباشرة لقضاء حوائجهم مما يعني دخول هذا
الجزء من المال في دورة المال مباشرة فيستفيد عموم المتمع بهذه الحركة.
وأغتنم اذه الفرصة المباركة لمطالبة السلطات الرسمية بمزيد من الاهتمام والرعاية للطبقات الدنيا والمتوسطة التي تعاني من مشاكل كثيرة في نشاطاتها الزراعية والفلاحية والتجارية والصناعية والبحرية وغيرها من الحرف والمهن التي تحقق وتضمن
الاستقرار والازدهار الاقتصادي والاجتماعي للبلاد .
قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: ” أنثروا القمح على الجبال كيلا يقال جاع طير في بلاد المسلمين.
وقد قال سيدنا يعقوب عليه السلام: ” احصدوا احصدوا فما حصدتموه غنتموه.”
والتكافل الاجتماعي أو التزام أفراد المتمع وتضامنهم إلى إعانة المحتاجين ومساعدة المضطربين، وهو من الأسس والأركان التي يقوم عليها بنيان المتمع الإسلامي. فالإسلام ينظر إلى المتمع على أنه كيان إنساني متواصل متراص متراحم، وأن الإنسان فيه يجب أن يحيا حياة كريمة تليق بآدميته. يقول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: ” ما
أمن بي من بات شبعان وجاره جائع واو يعلم.”

ومن القضايا الساخنة التي تقض المجتمع قضية التعليم والتربية في المدارس والمعاهد والمؤسسات التعليمية والتربوية والتكوينية حيث أصبح المستوى العلمي الثقافي والأكاديمي متدنيا ومنحطا جدا، ومرد ذلك أو نظام تعليمي فاسد في مراح ِل منااجه
كلّها.
وأولياء التلاميذ والطلبة هم محط ٱمال البلاد الذي على عواتقهم تقع مسؤولية الإدارة وتسيير شؤون البلاد الداخلية والخارجية، فلا تقدم لبلد يهمل أبنائه.
فعلى عاتق الحكومة تقع مسؤولية وضع منهج تعليمي واضح يهدف ليس فقط إلى تعليمهم ولكن أيضا تربيتهم وإرشادهم وفق عقائدنا وتقاليدنا الصحيحة السليمة.
فعليها أيضا مسؤولية وضع سياسة شرعية واضحة لتحقيق المن والأمان والاستقرار الداخلي والخارجي. وذلك، لأننا نلاحظ ظاهرة القتل والتدمير والإبادة والسرقة والغصب وأكل أموال الناس بالباطل وانتشار الطرق الملتوية لكسب المال ولو على حساب الدين والنفس والمروءة كـالهجرة عبر البحر واللعبة المعروفة” ِببارفوت” و اللتين ظلتا ـ مع الأسف الشديد ـ غدوة وعشية كثير من الناس وخلاصهم الوحيد
وهمهم الشاغل.
إخوة الإيمان والعقيدة :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” كلكم راع وكل راع مسؤول عن رعيته.” وعليه، على كل فرد من أفراد المجتمع أن ينضبط بضوابط الشرع باتباع السنة وإصلاح النفس والاعتناء بالسلوك السوي وتحكيم العقل والوعي إلى إنساني لأجل ترسيخ قوائم
العيش البناء لصالح البلاد والعباد.
9
ونختم الكلمة بتقديم أسمى عبارات التهاني إلى الأمة الإسلامية جمعاء وإلى الجمهورية السنغالية رئيسا وحكومة وشعبا، وإلى أصحاب السعادة السفراء المحترمين المعتمدين في السنغال، سائلين الله مولنا العلي القدير أن يرزقنا القبول والإجابة ويسدد خطانا إلى كل ما فيه صلاح العباد والبلاد، ويعطر أيامنا بالصحة والسلامة والمن والوئام
والعافية والاستقرار العالمي وإنهاء الحروب والفتن المدمرة للكيان الإنساني.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
من الخليفة العام للطريقة التجانية في السنعال
الشيخ أبي بكر محمد المنصور أيده الله ونصره.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock