الدين و الترييةالسياسةالعمل والمستجدات

أقوال العُلماء في التَّصوُّف والمُتصوّفةِ

أقوال العُلماء في التَّصوُّف والمُتصوّفةِ

وما ألطفَ ما قالهُ الإمام العارف باللهِ تعالى الشيخ عبد القادر عيسى – رحمه الله تعالى – في كتابه (حقائق عن التصوفِ): “وإِنَّ مَنْ يطالع كتب القوم السليمة من الدسِّ، مثل: كتاب الحلية لأبي نعيم، والرسالة القشيرية للقشيري، وكتاب التعرف لمذهب أهل التصوف للكلاباذي، واللمع للطوسي، وعوارف المعارف للسهروردي، وقوت القلوب لأبي طالب المكي، وعلم القلوب له أيضا، والإِحياء للإمام الغزالي، وطبقات الصوفية للسلمي، والرعاية لحقوق الله للمحاسبي، ورسالة المسترشدين له كذلكَ، والوصايا للشيخ محي الدين بن عربي الحاتمي الطَّائي، وغير ذلك من كتب الصوفية، لا يكاد يجد خُلُقًا مما فيها يخالف الشريعة أبداً، لكثرة محاسبة الصوفية لأنفسهم وأخذهم بالعزائم لا بالرُّخصِ؛ فإِن حقيقة طريق القوم علم وعمل، وجهاد ومجاهدة، والتزام ومراقبة سداها ولحمتها الآداب المستمدة من الشريعة والحقيقة.

هُناك أُناس ادَّعَوْا التَّصوُّف كذبا ونفاقا، انحَرفُوا عن الإِسلام، وإِنَّ السَّادة أئمة الصوفية قد نبهوا إِلى خطرهم، وحذروا من صُحبتهم ومُجالستهم، وتبرؤوا من سِيرهم وانحرافهم”.
[كتاب: (حقائق عن التصوفِ)، للإمام العارف باللهِ الشيخ عبد القادر عيسى، ص: (311)، وكتاب (كشف اللثام عن تصوّف الُمظلَّل بالغمام – صلى الله عليه وسلّم -) تأليف: دكتور محمد سيد سلطان من علماء الأزهر الشريف، الناشر: دار جوامع الكلم، الطبعة الأولى: 1432 ه‍ – 2011م، ص: (155- 156)]

ويقول العارف بالله تعالى الإمام الشعراني – رحمه الله تعالى -: (إِنما لم يضع المجتهدون في ذلك كتاباً لقلة الأمراض في أهل عصرهم، وكثرة سلامتهم من الرياء والنفاق، ثم بتقدير عدم سلامة أهل عصرهم من ذلك، فكان ذلكَ في بعض أناس قليلين، لا يكاد يظهر لهم عيب. وكان مُعظم همة المُجتهدين إِذ ذاك إِنما هو في جمع الأدلة المنتشرة في المدائن والثغور مع أئمة التابعين وتابعيهم، التي هي مادة كل علم، وبها يُعرف موازين جميع الأحكام، فكان ذلكَ أهم من الاشتغال بمناقشة بعض أناس في أعمالهم القلبية التي لا يظهر بها شعار الدين، وقد لا يقعون بها في حكم الأصل.

ولا يقول عاقل قط: إِن مثل الإِمام أبي حنيفة أو مالك أو الشافعي أو أحمد – رضي الله عنهم -، يعلم أحدهم من نفسه رياءً أو عُجبا أو كبرا أو حسَدا أو نفاقا ثم لا يُجاهد نفسه، ولا يناقشها أبدا، ولولا أنهم يعلمون سلامتهم من تلك الآفات والأمراض لقدموا الاشتغال بعلاجها على كل علم). [يُنظر: كتاب “لطائف المنن والأخلاق” للشعراني ج1، ص: (25 ـ 26)].

– الإمام مالك بن أنس عالم المدينةِ – رضي اللهُ عنه – ( ت: 179 ه‍ـ )

قال إمام دار الهجرة مالك بن أنس – رضي الله عنه – قولته الشّهيرة: “مَن تفقَّه ولم يتصوَّف فقَد تفسَّقَ، ومَن تصوَّف ولم يتفقه فقد تَزندقَ، و مَن جَمع بينهُما فقد تحقَّق”. [ينظر: “كشف اللثام عن تصوّف المُظلَّل بالغمام – صلى الله عليه وسلّم -” تأليف: دكتور محمد سيد سلطان جامعة الأزهر الشريف، الناشر: دار جوامع الكلم، الطبعة الأولى: 1432 ه‍ – 2011م، ص: (7- 8) كما ذكره التتائي في شرحه عَلى “مقدّمة ابن رُشد”، ص: (5)، والشيخ أحمَد زرّوق – رحمه الله – في كتابه “قواعد التصوُّف” القاعدة الرابعة من قواعده، ص: (13)، و “حاشية العلامة عَلي العدوي” على شرح الإمام الزّرقاني عَلى “متن العزية” في الفقه المالكي (2/195)، وشرح “عَين العلم وزين الحِلم” للإمام ملا عَلي القاري، (1/33)].

وقد نظم الشيخ الخديم – رضي الله عنه – هذا المعنى، فقال في منظومتهِ (مسالك الجنان):
ومَن تفَّقه بِلا تَصوُّف = فذُو تفسُّق صَريح فاعرفِ
ومن يكُن بعكْس ذَا فإنَّه = إلى تزندُق أمالوا شَأنه
وَمنْ لفقه وتَصوُّف جَمعْ = فَهو الذي حُق له أنْ يُتبعْ

ويقول الإمام المالكي الكبير الشيخ أحمد زروق في كتابه “قواعد التصوف”: “ونحن حيث تلقينا هاته القولة عن الإمام مالك من أوثق المصادر، اتضح عندنا يقينًا أنه – رحمه الله – كان صوفيًا، لا محبًا للصوفية فقط وإلا لزمه تسلّط الحكم عليه، المُستفاد من صريح قوله: (ومن تفقه ولم يتصوف فقد تفسق) برأه الله من ذلك”.

– الشيخ الحنفيُّ ابن عابدين – رحمه الله تعالى (ت: 1252ه‍ )

قال ابن عابدين – رحمه الله تعالى – : “ولا كلام لنا مع الصُدَّق من ساداتنا الصوفية المبرئين عن كل خصلة رديَّة، فقد سئل إمام الطائفتين سيدنا الجنيد: إن أقواما يتواجدون ويتمايلون؟ فقال: دعُوهم مع الله تعالى يفرحون، فإنهم قوم قطعت الطريق أكبادَهم، ومزَّق النّصبُ فؤادهم، وضاقوا ذرعا فلا حرج عليهم إذا تنفسوا مُداواة لحَالهم”.[ينظر: (شفاء العليل وبل الغليل في حكم الوصية بالختمات والتهاليل)، ص: (172)].

– الفقيهُ الأصُوليُّ الشَّافعيُّ حُجة الإسلام الإمام أبو حَامد الغزاليّ – رضي الله عنه – (ت: 505 ه‍ـ ) مجدّد القرن الخامس

قال الإمام الغزالي – رحمه الله تعالى -: “ولقد علمت يقينا أن الصُّوفية هُم السَّالكون لطريق الله تعالى خاصَّة وأن سَيرهم أحسن السَّير وطريقتُهم أصوبُ الطُّرق وأخلاقهم أزكى الأخلاق”.[ينظر: المنقذ من الضلال، ص: (49)]

– الإمامُ يحيى بن شرف الدين النَّووي الشَّافعيُّ – رحمه الله تعالى – (ت 676 ه‍ـ)

قال الإمام النووي – رحمه اللهُ – في أصول التصوف: “أصول التصوف هي خمسة: تقوى الله في السر والعلانية، واتباع السنة في الأقوال والأفعال، والإعراض عن الخلق في الإقبال والإدبار، والرضى عن الله تعالى في القليل والكثير، والرجوع إلى الله في السراء والضراء.

فتحقيق التقوى: بالورع والاستقامة، وتحقيق اتباع السنة: بالتحفظ وحسن الخلق، وتحقيق الإعراض عن الخلق: بالصبر والتوكل، وتحقيق الرضى عن الله: بالقناعة والتفويض، وتحقيق الرجوع إلى الله تعالى: بالشكر له في السراء والالتجاء إليه في الضراء.

وأصول ذلك كله خمسة: علو الهمة، وحفظ الحرمة، وحسن الخدمة، ونفوذ العزيمة، وتعظيم النعمة.

فمن علت همته ارتفعت رتبته، ومن حفظ حرمة الله حفظ الله حرمته، ومن حسنت خدمته وجبت كرامته، ومن نفذت عزيمته دامت هدايته، ومن عظم النعمة شكرها، ومن شكرها استوجب المزيد.

وأصول العلامات خمسة: طلب العلم للقيام بالأمر، وصحبة المشايخ والإخوان للتبصر، وترك الرخص والتأويلات للتحفظ، وضبط الأوقات بالأوراد للحضور، واتهام النفس في كل شيء للخروج من الهوى والسلامة من العطب.

فطلب العلم آفته: صحبة الأحداث سنا وعقلاً ودينا مما لا يرجع إلى أصل ولا قاعدة. وآفة الصحبة: الاغترار والفضول. وآفة ترك الرخص والتأويلات: الشفقة على النفس. وآفة اتهام النفس: الأنس بحسن أحوالها واستقامتها، وقد قال تعالى: {وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها} [سورة الأنعام: الآية: 70].

وأصول ما تداوى به علل النفس خمسة: تخفيف المعدة بقلة طعام والشراب، والالتجاء إلى الله تعالى مما يعرض عند عروضه، والفرار من مواقف ما يخشى الوقوع فيه، ودوام الاستغفار مع الصلاة على النبي – صلى الله عليه وسلم – آناء الليل وأطراف النهار باجتماع الخاطر، وصحبة من يدلك على الله”.[مقاصد الإِمام النووي في التوحيد والعبادة وأصول التصوف، ص: (20)].

– الشافعيّ الأشعري الشيخ تاج الدين السبكي – رحمه الله تعالى(ت: 771 ه‍ـ )

قال تاج الدين السبكي – رحمه الله تعالى -: “حياهم الله وبياهم وجمعنا في الجنة نحن وإياهم وقد تشعبت الأقوال فيهم تشعباً ناشئاً عن الجهل بحقيقتهم لكثرة المتلبسين بها، والحاصل أنهم أهل الله وخاصته الذين ترتجى الرحمة بذكرهم ويستنزل الغيث بدعائهم، فرضي الله عنهم وعنا بهم”. [ينظر: (معيد النعيم ومبيد النقم)، ص: (56)]

– الشًّيخ أحمد بن محمد زروق الفاسي (ت: 899 ه‍ )

قال الشيخ أحمد بن محمد زروق – رحمه الله – في كتابه «عدة المريد الصادق»: «اعلم أنّ الفقه والتصوُّفَ إخوان في الدلالة على أحكام الله سُبحانه؛ إذ حقيقة التصوُّفِ ترجع لصِدْقِ التوجُّه إلى الله تعالى من حيث يرضى بما يرضى، فمن له قِسْطٌ من صِدْقِ التوجُّهِ له قِسْطٌ من التصوُّفِ على قَدْرِ حالِه، ثم الفِقْهُ بالأصُول شرطٌ فيه، والمشروط لا يصحُّ بدون شَرطه، والشرطُ أن يكون بما يرضاه الحقُّ ومن حيث يرضاه، فما لا يرضاه لا يصح أن يكون قُربةً، وما يرضاهُ لا يصح أن يكون قربةً إلا من الوجه الذي يرضاهُ، كالصلاة يرضاها الحقُّ، ولكن لا في الأوقات الممنوعة ولا على غير الوجه المستقيم؛ {وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} [الزمر: 7]، فلزم تحقيق الإيمان، {وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} [الزمر: 7] فلزم العمل بالإسلام، فلا تصوُّفَ إلا بفِقْهٍ؛ إذ لا تُعلَم أحكامُ اللَّهِ الظاهرةُ إلا منه، ولا فِقْهَ إلا بتصوُّفٍ؛ إذ لا حقيقة للعِلْمِ إلا بالعمَلِ، ولا عمَل إلا بصِدْقِ توجُّهٍ، ولا هما إلا بإيمان؛ إذ لا يَصِحَّان دونَه، فهو بمنزِلَة الروح، وهما بمنزلة الجسَد، لا ظهور له إلا فيهما، ولا كمال لهما إلا به، وهو مقام الإحسان المعبَّر عنهُ بأن تعبد الله كأنك تراه، إذ لا فائدة لذلك إلا صِدْق التوجه إلى الله تعالى عَلى حدِّ ما قلناهُ» اه‍ .

ويقول إِمام الصوفية أحمد زروق – رحمه الله تعالى -: (لا تصوف إِلا بفقه، إِذ لا تعرف أحكام الله الظاهرة إِلا منه. ولا فقه إِلا بتصوف، إِذ لا عمل إِلا بصدق وتوجه لله تعالى. ولا هما [التصوف والفقه] إِلا بإِيمان، إِذ لا يصح واحد منهما دونه. فلزم الجميع لتلازمها في الحكم، كتلازم الأجسام للأرواح، ولا وجود لها إِلا فيها، كما لا حياة لها إِلا بها، فافهم) [ينظر: “قواعد التصوف” للشيخ أحمد زروق قاعدة 3، ص:(3)].

موقفُ شَيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تَعالى – من التَّصوُّف والصُّوفيةِ

سُئل شيخ الإسلام – قدس الله روحه -: عن الصوفية، وأنهم أقسام، والفقراء أقسام فما صفة كل قسم؟ وما يجب عليه؟ ويستحبُّ له أن يسلكه؟

فأجابَ: “الحمد لله، أما لفظ الصُّوفية فإنه لم يكن مشهورا في القرون الثلاثة، وإنما اشتهر التكلم به بعد ذلك، وقد نقل التكلم به عن غير واحد من الأئمة والشيوخ: كالإمام أحمد بن حنبل وأبي سليمان الداراني وغيرهما.

وقد روى عن سفيان الثوري: أنه تكلَّم به، وبعضهم يذكر ذلك عن الحسن البصري”.

وقال في اشتقاق كلمة التَّصوُّفِ: “وتنازعوا في المعنى الذي أضيف إليه الصوفي، فإنه من أسماء النسب، كالقرشي، والمدني، وأمثال ذلكَ:

فقيل: إنه نسبة إلى أهل الصفة وهو غلط؛ لأنه لو كان كذلك لقيل: صُفِّي.

وقيل: نسبة إلى الصف المقدم بين يدي الله، وهو أيضا غلط، فإنه لو كان كذلك لقيل: صَفِّي.

وقيل: نسبة إلى الصفوة من خلق الله، وهو غلط؛ لأنه لو كان كذلك لقيل: صَفويّ.

وقيل: نسبة إلى صوفة بن بشر بن أدِّ بن بشر بن طابخة، قبيلة من العرب كانوا يجاورون بمكة من الزمن القديم، ينسب إليهم النساك.

وهذا وإن كان موافقا للنسب من جهة اللفظ فإنه ضعيف أيضا؛ لأن هؤلاء غير مشهورين ولا معروفين عند أكثر النسَّاك، ولأنه لو نُسب النَّسَّاك إلى هؤلاء لكان هذا النسب في زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم أولى، ولأن غالب من تكلم باسم الصوفي لا يعرف هذه القبيلة ولا يرضى أن يكون مضافا إلى قبيلة في الجاهلية، ولا وجود لها في الاسلام.

وقيل: ـ وهو المعروف ـ أنه نسبة إلى الصوف، فإنه أول ما ظهرت الصوفية في البصرة، وأول من ابتنى دويرة الصوفية بعض أصحاب عبد الواحد بن زيد، وعبد الواحد من أصحاب الحسن، وكان في البصرة من المبالغة في الزهد والعبادة والخوف ونحو ذلك، ما لم يكن في سائر أهل الأمصار، ولهذا كان يقال: فقه كوفي، وعبادة بصرية.

وقد روى أبو الشيخ الأصبهاني بإسناده عن محمد بن سيرين: أنه بلغه أن قوما يفضلون لباس الصوف، فقال: (إن قوما يتخيرون لباس الصوف يقولون إنهم يتشبهون بالمسيح بن مريم، وهدي نبينا أحب إلينا، وكان – صلى الله عليه وسلم – يلبس القطن وغيره، أو كلاما نحوا من هذا)”.[كتاب “الصوفية والفقراء”، لشيخ الإسلام ابن تيمية راجعها وعلق عليها: الدكتور أسامة محمد عبد العظيم حمزة، مطبعة المدني، الطبعة الأولى، 1404 ه‍ = 1984م، ص: (27- 28)، وكتابه “فقه التصوُّف”، لشيخ الإسلام ابن تيمية، تهذيب وتعليق: الشيخ زهير شفيق الكبي، دار الفكر العربي – بيروت، 1993م، ص: (5 وما بعدها)].

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى – في التصوُّف والصَّوفية: “وطائفة غلت فيهم، وادَّعوا أنَّهم أفضل الخلق وأكملهم بعد الأنبياء، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم.

والصواب أنهم مجتهدون في طاعة الله، كما اجتهد غيرهم من أهل طاعة الله، ففيهم السابق المقرب بحسب اجتهاده، وفيهم المقتصد الذي هو من أهل اليمين، وفي كل من الصنفين من قد يجتهد فيخطئ، وفيهم من يذنب فيتوب أو لا يتوب، ومن المنسبين أليهم من هو ظالم لنفسه عاصّ لربّه.

وقد انتسب إليهم طوائف من أهل البدع والزندقة، ولكن عند المحققين من أهل التصوف ليسوا منهم كالحلاج مثلاً، فإن أكثر مشايخ التصوف أنكروه، وأخرجوه عن الطريق، مثل الجنيد بن محمد سيد الطائفة وغيرهم، كما ذكر ذلك الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي في طبقات الصوفية، وذكره الحافظ أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد”. [كتاب “الصوفية والفقراء”، لشيخ الإسلام ابن تيمية راجعها وعلق عليها: الدكتور أسامة محمد عبد العظيم حمزة، مطبعة المدني، الطبعة الأولى، 1404 ه‍ = 1984م، ص: (27- 28)، وكتابه “فقه التصوُّف “، لشيخ الإسلام ابن تيمية، تهذيب وتعليق: الشيخ زهير شفيق الكبي، دار الفكر العربي – بيروت، 1993م، ص: (19)].

وعَلى هَذا يتضح جليا أنَّ شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – لم يكن ممن يؤثر عنه القول ببدعيةِ لفظ الصُّوفية كما يُروّجهُ كثير من متأخري أهل السنة أو أدعياء السَّلفية.

ثُم قال في توضيحِ أصناف الصُّوفية الثلاثة: “فهذا أصل التصوف‏، ثم أنه بعد ذلك تشعب وتنوع، وصارت الصوفية ‏(‏ثلاثة أصناف‏)‏‏:‏ صوفية الحقائق، وصوفية الأرزاق، وصوفية الرسم‏.

‏‏ فأما ‏صوفية الحقائق‏:‏ فهم الذين وصفناهم‏.

‏‏ وأما ‏صوفية الأرزاق‏: فهم الذين وقفت عليهم الوقوف‏ كالخوانك، فلا يشترط في هؤلاء أن يكونوا من أهل الحقائق‏. ‏فإن هذا عزيز، وأكثر أهل الحقائق لا يتصفون بلزوم الخوانك؛ ولكن يشترط فيهم ثلاثة شروط‏:‏

‏أحدها‏:‏ العدالة الشرعية بحيث يؤدون الفرائض ويجتنبون المحارم‏.‏

و‏الثاني‏:‏ التأدب بآداب أهل الطريق، وهي الآداب الشرعية في غالب الأوقات، وأما الآداب البدعية الوضعية فلا يلتفت إليها‏.

‏و‏الثالث‏:‏ أن لا يكون أحدهم متمسكا بفضول الدنيا، فأما من كان جمَّاعا للمال، أو كان غير متخلق بالأخلاق المحمودة، ولا يتأدب بالآداب الشرعية، أو كان فاسقا فإنه لا يستحق ذلك‏.

‏‏ وأما صوفية الرسم‏:‏ فهم المقتصرون على النسبة، فهمهم في اللباس والآداب الوضعية، ونحو ذلك، فهؤلاء في الصوفية بمنزلة الذي يقتصر على زي أهل العلم وأهل الجهاد ونوع مَّا من أقوالهم، وأعمالهم، بحيث يظن الجاهل حقيقة أمره، أنه منهم وليس منهم‏”.‏[المصدر نفسه، ص: (27 – 28)]

وكما قال أيضا وهو يُوضّحُ تمسك مشايخ الصُّوفية بالكتاب والسنة: “فأما المستقيمون من السالكين كجمهور مشايخ السلف مثل الفضيل بن عياض، وإبراهيم بن أدهم، وأبي سليمان الداراني، ومعروف الكرخي، والسري السقطي، والجنيد بن محمد، وغيرهم من المتقدمين، مثل الشيخ عبد القادر الجيلاني، والشيخ حماد، والشيخ أبي البيان، وغيرهم من المتأخرين فهم لا يسوغون للسالك ولو طار في الهواء أو مشى على الماء أن يخرج عن الأمر والنهي الشرعيين، بل عليه أن يعمل المأمور ويدع المحظور إلى أن يموت. وهذا هو الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة وإجماع السلف، وهذا كثير من كلامهم”.

ولم يكتف بذلك فحسبُ، بل عرج إلى نقد سلوكيات بعض المُنتسبين إليهم سواء من العلماء أو العوام، فقال: “منها أن طائفة منهم تدعي أن أكل الحشيشة المخدرة تنشط على أداء الصلوات وتعين على استنباط العلوم وتصفية الذهن، حتى أنهم يسمونها معدن الفكر والذكر، ومحركة الغرام الساكن. وهذا كله من خدع النفس ومكر الشيطان بهؤلاء؛ لأن تلك الحشيشة هي عمى للذهن، تجعل آكلها أبكما مجنونا لا يعي ما يقول”. [يُنظر: التفسير الكبير، (4 / 150)]

وعاب ابن تيمية على أبي حامد الغزالي تقسيمه للذكر إلى ثلاث مراتب، الأولى: قول العامة لا إله إلا الله. والثانية: قول الخاصة الله، الله. والثالثة: قول خاصة الخاصة، هو، هو. وبدّعه في ذلك لأن الذكر المفرد: الله، الله والمضمر: هو، هو بدعة في الشرع، وخطأ في القول واللغة. لأن الاسم المفرد ليس هو كلاماً، ولا إيماناً، ولا كفراً. والمضمر ليس بمشروع، ولا هو بكلام يعقل، ولا فيه إيمان، وهو معارض للشرع”. [ينظر: مجموع الفتاوى، (10 / 396)]

ولم يكتف بذلك، بل كفّر ابن تيمية بعض كبار الصوفية الاتحاديين القائلين بوحدة الوجود كعمر بن الفارض، ومحي الدين بن عربي الطائي الأندلسي، وقطب الدين بن سبعين الإشبيلي والتلمساني، وعدهم من ملاحدة الاتحادية، وجعل كفرهم أعظم من كفر اليهود والنَّصارى.

وذكر ابن تيمية أن الشيخ العز بن عبد السلام كان قد كفر ابن عربي لقوله بقدم العالم، قبل أن يظهر قوله بوحدة الوجود، من أن العالم هو الله، وصورة له؛ وهذا أعظم من كفر القائلين بأزلية الكون. وحكى – أي ابن تيمية – عن نفسه أنه كان ممن يحسن الظن بابن عربي ويعظمه، لما في كتبه من فوائد، كما في الفتوحات المكية، والدرة الفاخرة، لكنه غير رأيه فيه عندما اطلع على كتابه فصوص الحكم ونحوه، لما فيهِ من الكفر الباطن والظاهر، وباطنه أقبح من ظاهره، وهو يمثل مذهب وحدة الوجود.[ينظر: مجموع الفتاوى، (2/ 131)].

وقال أيضا – رحمه الله تعالى -: “إِنَّ ابْنَ عَرَبِيٍّ وَأَمْثَالَهُ – وَإِنْ ادَّعَوْا أَنَّهُمْ مِنَ الصُّوفِيَّةِ -، فَهُمْ مِنْ صُوفِيَّةِ الْمَلَاحِدَةِ الْفَلَاسِفَةِ، لَيْسُوا مِنْ صُوفِيَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونُوا مِنْ مَشَايِخِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ: كَالفُضَيلِ بْنِ عِيَاضٍ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ الدَّارانيّ، وَمَعْرُوفٍ الكرخيّ، والجُنَيد بْنِ مُحَمَّدٍ، وَسَهْلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التستري وَأَمْثَالِهِمْ – رضوان الله عليهم أجمعين -“. [كتاب: مجموع الفتاوى، (233/11)]

وقال أيضا – في المصدر نفسه -: “وأما أئمة الصُّوفية والمشايخ المشهُورون من القدماء، مثل: الجُنيد بن مُحمد وأتباعه، ومثل: الشَّيخ عبد القادر الجِيلاني، وأمثاله، فهَؤلاء من أعظم النَّاس لزوما للأمر والنَّهي، وتوصية باتباع ذلكَ”.[كتاب: مجموع الفتاوى، (10//488 – 489)]

الفَقير أفضل أم الصُّوفيُّ؟

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -: “وعلى هَذا الاصطلاح قد تنازعوا أيما أفضل‏:‏ الفقير، أو الصُّوفي ‏؟‏

فذهب طائفة إلى ترجيح الصوفي، كأبي جعفر السهروردي ونحوه، وذهب طائفة إلى ترجيح الفقير كطوائف كثيرين وربما يختص هؤلاء بالزوايا وهؤلاء بالخوانك، ونحو ذلك، وأكثر الناس قد رجحوا الفقير‏. ‏‏

والتَّحقيق: أن أفضلهما أتقاهما، فإن كان الصُّوفي أتقى للّه كان أفضل منه، وهو أن يكون أعمل بما يحبه الله، وأترك لما لا يحبه فهو أفضل من الفقير، وإن كان الفقير أعمل بما يحبه الله وأترك لما لا يحبه كان أفضل منه، فإن استويا في فعل المحبوب وترك غير المحبوب استويا في الدرجة‏. ‏‏

وأولياء الله هم المؤمنون المتقون، سواء سمى أحدهم فقيرا أو صوفيا، أو فقيها أو عالما أو تاجرا أو جنديا أو صانعا أو أميرا أو حاكما أو غير ذلك‏.

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏‏أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء الله لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ‏}‏‏ ‏[‏سورة يونس‏:‏ 62- 63‏]‏‏. ‏‏

وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال “يقول الله تعالى‏:‏ من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه؛ فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته، ولابد له منه‏”‏‏‏. ‏‏[كتاب “الصوفية والفقراء”، لشيخ الإسلام ابن تيمية راجعها وعلق عليها: الدكتور أسامة محمد عبد العظيم حمزة، مطبعة المدني، الطبعة الأولى، 1404 ه‍ = 1984م، ص: (33 وما بعدها)]

وقال الإمامُ الشوكاني – رحمه الله – في رسالتهِ في التصوف: (اعلم – وفقني الله وإياك – أن معنى التصوف المحمود وهو الزهد في الدنيا حتى يستوي عنده ذهبها وترابها، ثم الزهد فيما يصدر عن الناس من المدح والذم، حتى يستوي عنده مدحهم وذمهم، ثم الاشتغال بذكر الله سبحانه وبالعبادة المقربة لله، فمن كان هكذا فهو صُوفي حقا، وعند ذلك يكون من أطباء القلوب فيداويها بما يمحو عنها الطواغيت الباطنية من الكبر والحسد والعجب والرياء، وأمثال هذه الغرائز الشيطانية التي هي من أخطر المعاصي وأقبح الذنوب، ثم يفتح الله له أبوابا كان عنها محجوبا كغيره).

وقال أيضا: (فيَا طالب الخير، إذا ظفرت يداك بواحد من هؤلاء الذين هم صفوة الصفوة وخيرة الخيرة فاشددهما عليه، واجعله مؤثرا على الأهل والمال، والقريب والحبيب والوطن والسكن. فإنا إن وزنا هؤلاء بميزان الشرع واعتبرناهم بمعبر الدين، وجدناهم أولياء الله الذين لاخوف عليهم ولا هم يحزنون، وقلنا لمعاديهم أو القادح في عليّ مقامهم أنت ممن قال فيهم الربّ سُبحانه كما حكاه عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: (من عادي لي وليا، فقد آذنته بالحرب).

وقال أيضا: (وإذا فرضنا أن في المدعين للتصوّف من لم يكن بهذه الصفات، وعلى هذا لهدى القديم، فإن بدا منه ما يخالف هذه الشريعة المطهرة، وينافي منهجها الذي هو الكتاب والسنة، فليس من هؤلاء والواجب علينا رد بدعته عليه والضرب بها في وجهه … ولا يقدح على هؤلاء الأولياء وجود من هو هكذا، فإنه ليس معدوما منهم ولا سالكا طريقهم ولا مهتديا بهديهم فاعرف هذا؛فإن القدح في قوم بمجرد فرد أو أفراد منسوبين إليهم نسبة غير مطابقة للواقع لا يقع إلا ممن لا يعرف الشرع ولا يهتدي بهديه ولا يبصر بنوره).[رسالته في التصوف، للإمام للشوكاني، وهي ضمن الفتح الرباني في فتاوى ورسائل الشوكاني (2// 1043 – 1058)]

– قال الإمام ابن القيم قال الإمام الشافعيُّ – رضي الله عنهما -: (صحبتُ الصُّوفية فما انتفعت منهُم إلا بكلمتين، سمعتهم يقولون: الوقتُ سيف فإن قطعته وإلا قطعك، والنفس إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل).

قلتُ [القائل هو ابن قيم]: (يا لهُما من كلمتين، ما أنفعهما وأجمعهما وأدلهما على علو همة قائلهما ويقظته، ويكفي في هذا ثناء الإمام الشافعي على طائفة [أي السَّادة الصُّوفية]، هذا قدر كلماتهم).[ينظر: كتاب (مدارج السالكين)، لابن القيم -، (3/128)]

قال ابن القيم – رحمه الله تعالى – في كتابه (طريق الهجرتين)، ص: (261 – 260): (ومنها أن هذا العلم [التصوف] هو من أشرف علوم العباد، وليس بعد علم التوحيد أشرف منه، وهو لا يناسب إلا النفوس الشريفة).

الصُّوفيُّ والفقراء عند ابن القيم – رحمه الله -:

قال الشيخ ابن القيم – رحمه الله – : (ثم إنهم في أنفسهم فريقان: صُوفية وفقراء، وهم متنازعون في ترجيح الصوفية على الفقراء أو بالعكسِ أو هُما سَواء، على ثلاثة أقوال:

– فطائفة رجحت الصُّوفي، منهم كثير أهل العراق، وعلى هذا صاحب العوارف وجعلوا نهاية الفقير: بداية الصُّوفي.

– وطائفة رجحت الفقير، وجعلوا الفقر لب التصوُّف وثمرته، وهم أكثر أهل خرسان.

– وطائفة ثالثة، قالوا: الفقر والتصوف شيء واحد، وهؤلاء هم أهل الشام). [ابن القيم، (مدارج السالكين)، ج2، ص: (368)]

وقال الدُّكتور عبد الحليم محمود – رحمه الله -: “إنَّ الصُّوفية ليسَت شَيئا أضِيف إلى الدِّينِ الإسلاميّ، إنَّها ليسَت شَيئا أتى من الخَارج فألصق بالإسلامِ، وإنَّما هي، بالعكسِ تكُون جُزءا جوهَريا من الدِّينِ. إذا أن الدِّينَ بدُونها يكون ناقصا، بل يكون ناقصا من جهتهِ السَّامية، أعني جهة المركز الأساسيّ….”. [قضية التصوف، للدُّكتور عبد الحليم محمود المكتبة التوفيقية، الطبعة الأولى 2014م، ص: (87 – 88)]

وقال الأستاذ الدكتور محمد بكر إسماعيل أستاذ التفسير بجامعة الأزهر الشريف في مقدّمةِ كتابه (أسماء الله الحسنى آثارها وأسرارها): “… فجاء كتابي على نمط أسلوب المقال في التحليل والتَّعليل من غير تعقيد ولا حشو ولا تطويل، يخلو تماما من أقوال الفلاسفة والمناطقة وعُلماء الكلام؛ لعدم جدواها، وإيثارا لسلامة المعتقد من الشُّبهاتِ التي يثيرونها ولا يستطيعون دفعها بسهولة ويسر في كثير من الأحيان.

هذا، وقد نظرتُ في أسماء الله الحسنى على ضوء الكتاب والسُّنة أولا نظرة المفسّر الذي يتبع معاني الألفاظ ومراميها في معاجمها اللغوية ومظانها في كتب المفسّرين والمحدّثين والفقهاء وعُلماء الأصُول.

ثم وجدتني في حاجة ماسة إلى أن أرجع إلى كتب الصُّوفية المعتدلين لعلي أجد فيها ما يعينني على فهم أسرارها المنطوية في آثارها.

وذلكَ لأن هؤلاء يعرفون بكثرة الذّكر ما لا يعرفه الغافلون، ويرون ببصائرهم ما لا يراه الناظرون بأبصارهِم”. [ يُنظر: كتاب (أسماء الله الحسنى آثارها وأسرارها)، للمؤلف: الدكتور محمد بكر إسماعيل – أستاذ التفسير – بجامعة الازهر الشريف، وقد طبع في مكتبة دار المنار، سنة: 1441ه‍ = 2000م، الطبعة الأولى، ص: (3- 4)].

فتَأمل أيُّها السَّالكُ عن هذه الأقوال تجد أنَّ خيار مدحوا التَّصوف وأهلهُ وخُصوصا أعلامه الذين وضعُوا أقدامهم عَلى جناحي القرآن الكريم والسُّنةِ النَّبوية الشَّريفةِ، ومِنْ هَذا نعلم أنَّ خيار الأئمة المُجتهدينَ وفضلاء العُلماء العاملينَ هُم الصُّوفية حقيقةً.

نَقدُ أجلاء العُلماء بعض الغُلاة المُتصوّفة

قَام جِلّة منْ أجلاء العُلماء بِنقدِ بعض الغُلاة المُتصَوّفة الجَاهلينَ البَعيدينَ عن التَّمسُّكِ بالكتاب والسُّنة، ومنهم الشَّيخُ أبو سُليمان الدَّاراني [المتوفى سنة 215 هـ] – رحمه اللهُ تعالى – وهو من أكبر أعلام الصُّوفية في عصره الذي يقولُ: “رَّبما وقعَت النُّكتة من كلام القوم في قلبِي فلا اقبلها إلا بشَاهديْ عَدل من الكتاب والسنة؛ لأنَّ الله عزَّ وجل ضمنَ لي العِصمة في الكتاب والسُّنةِ، ولم يضمنها لي فيما سوى ذلكَ”. [كشف اللثام عن تصوّف المُظلَّل بالغمام – صلى الله عليه وسلّم -“، تأليف: دكتور محمد سيد سلطان جامعة الأزهر الشريف، الناشر: دار جوامع الكلم، الطبعة الأولى: 1432 ه‍ – 2011م، ص: (15)]

ومن هُنا ندرك خَطأ الصُّوفي الذي يُريد أن يجعل كل حَرف قالهُ صُوفيّ معصُوما والذي يُريدُ أن يجعل لكُتبِ الصُّوفية من العصمة ما للكتاب والسُّنةِ.

إنَّ أمثال هَؤلاء لا فارقَ بينهُم وبينَ غلاة اليهود والنَّصارى الذين قال الله تعالى فيهم: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} [التوبة: 31].

ويقول أبو يزيد البسطامي – رحمه الله -: “لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات تربع في الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي، وحفظ الحدود، وأداء الشَّريعةِ”. [شرح الطريقة المحمدية للشيخ عبد الغني النابلسي، الجزء الأول، ص :(175)]

ويقول سهل بن عبد الله التستري – رحمه الله تعالى -: “احذر صُحبة ثلاثة أصناف من أصناف الناسِ: الجبابرة الغافلين، والقراء المُداهنين، والمُتصوفة الجاهلينَ”. [شرح الحكم لابن عجيبة، الجزء الأول ص: (76)]

وقال العارف بالله الشيخ أحمد بن محمد زروق في (قواعد التصوف) القاعدة 35: “فَغُلاة المُتصوفة كأهل الأهواء من الأصوليينَ، وكالمطعُون عَليهم من المتفقهين، يرد قولهم ويجتنبُ فِعلهم، ولا يترك المذهب الحقّ الثابت بنسبتهِم لهُ وظهورهم فيهِ”.

ويقول الإمام الشُّيخ جلال الدين السيوطي في كتابه (تأييد الحقيقة العلية)، ص: (57): “وعلمتُ أيضا أنه قد كثر فيه الدَّخيل من قوم تشبهوا بأهله وليسوا منهم، فأدخلوا فيه ما ليس منه فأدى ذلك إلى إساءة الظن بالجميعِ، فوجه أهل العِلم للتمييز بين الصِّنفين ليعلم أهل الحقّ من أهل الباطل، وقد تأملتُ الأمور التي أنكرها أئمة الشَّرع على الصُّوفية، فلم أر صوفيا محقّقا يقول بشيء منها، وإنما يقول بها أهل البِدع والغُلاة الذين ادعوا أنَّهم صُوفية وليسُوا منهُم”.

ويقول ابن الجَوزي في كتابهِ “اللطائف” الفصل الثامن والثلاثون في صدق العبادة: “لا تعجبوا بصورة التعبد وتلمحوا أحسن المقصد ليس كل مصل متعبد، ولا كل صائم بزاهد، ولا كل باك بخاشع ولا كل متصوف بصاف”.

ويقول ابن تيمية في كتابه (الاستقامة) ج1،، ص: (163): “والصُّوفية يوجَد فيهِم المُصيب والمُخطئ كما يوجد في غَيرهم.”

وقال أحمد الرفاعي – قدس الله سرّه – في (البرهان المؤيد): “يا ولدِي كُن صُوفيا صَافيا، ولا تكن صُوفيا منافقا”.

وقال الباحثُ عبد العزيز ابن عبد الله في كتابه (معلمة التصوف الإسلامي) : “إن الدَّجاجلة لم يخل منهم زمان وأدهَى ما فِي الأمر اندساسهم بين ذوي النَّزاهة من الصُّوفيينَ”.

نقد الشيخ الخديم – رضي الله عنهُ – بعض المُتصوِّفة الجَاهلينَ

قد نقد قدوتنا الشَّيخ الخديم – رضي الله عنهُ – بعض المُتصوِّفة الجَاهلينَ في ثَنايا منظومتهِ (مسالك الجنان):
وَلاَ تَكُن مُّلْتَفِتًا لِّكُلِّ مَنْ = رأَيْتَهُ يُشْبِهُ شَيْخًا فِي الزَّمَنْ
فَلَيْسَ كُلُّ مَا تَرَى مُدَوَّرَا = كَعْكًا وَلَيْسَ كُلُّ ضَوْءٍ قَمَرَا
كَلاَ وَلَيْسَ كُلُّ مآءٍ سَلْسَبِيلْ = وَلَيْسَ شَهْدٌ مِّثْلَ صَابٍ يَا نَبِيلْ
وَلَيْسَ كُلُّ مَا فِي الَّليْلِ نآئِرُ = نَارًا بِهَا اصْطِلاءُ مَنْ يُّسَافِرُ
وَاخْتَبِرِ الرِّجَالَ قَبْلَ صُحْبُهْ = وَلاَ تُصَاحِبْ غُمْرًا أَوْ ذَا رَغْبَهْ
قُلْتُ: فَمَنْ يُرِدْ صَلَاحَ الْعَمَلِ = فَلْيَرْكَنَنْ لِلأَوْلِيَاءِ الْكُمَّلِ
إِذْ بَانَ جَهْرًا أَنَّمَا شُيُوخُ = هَذَا الزَّمَانِ جُلُّهُمْ فُخُوخُ
وَبَعْضُهُمْ يَرْكَنُ لِلتَّصَدُّرِ = إِلَى رِئَاسَةٍ بِلَا تَسَتُّرِ
وَلَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَ فَرْضٍ وَسُنَنْ = وَيَجْذِبُ الْوَرَى لِمُوجِبِ الْفِتَنْ
وَيَدَّعِي الْكَمَالَ وَالْوِلَايَهْ = يَدْهَى الْوَرَى بِكَثْرَةِ الرِّوَايَهْ

ثم استطَرد في وَصف هؤلاء الشَّيوخِيسيينَ قائلا:
وَإِنْ مَدَحْتَ عِنْدَهُ شَيْخًا سِوَاهْ = أَغَاظَهُ لِحَسَدٍ وَحُبِّ جَاهْ
وَحَيثُمَا تَذْكُرْ بِهَجْوٍ غَيْرَهُ = يَفْرَحْ وَلَوْ دَرَى الْجَمِيعُ خَيْرَهُ
وَلَا يَسُرُّهُ سِوَى انْفِرَادِ = بِالذِّكْرِ وَالْـمَدْحِ لَدَى الْعِبَادِ
وَحَيْثُمَا يَمِلْ لِغَيْرِهِ أَبَدْ = مُسْتَرْشِدٌ يَهُجْ غَرَامَهُ الْحَسَدْ
تَبًّا لَهُ فَإِنَّهُ لَوْ قَصَدَا = صَلَاحَ أَمْرِهِ فَقَطْ مُجَرَّدَا
لَسَرَّهُ حُصُولُهُ حَيْثُ قَصَدْ = وَلَا يُبَالِي بِارْتِحَالِهِ أَبَدْ
فَكُلُّ شَيْخٍ هَكَذَا فَإِنَّهُ = مِنْ صَائِدِي الْحُطَامِ فَاتْرُكْ شَأْنَهُ
وكُلُّ مَنْ رَأَيْتَ يَسْتَعْلِي الْعَبِيدْ = مِنَ الْمَشَايِخِ فَدَعْهُ يَا مُرِيدْ
فَإِنَّ فَضْلَ اللهِ لَيْسَ مُخْتَصَرْ = يُعْطِيهِ مَنْ يَشَاؤُهُ مِنَ الْبَشَرْ
وَلِلْحَسُودِ مَثَلٌ قَدِ اهْتَدَى = قَالُوا الْحَسُودُ لَا يَسُودُ أَحَدَا
كَيْفَ يَسُودُ وهْوَ فِي الْأَزْمَانِ = يُحِبُّ سَلْبَ نِعْمَةِ الْإِخْوَانِ
وَبَعْضُهُمْ تَرَاهُ ذَا تَعَمُّمِ = مُتوَّجَ الرَّأْسِ مَعَ التَّلَثُّمِ
تَشَبُّهًا بِالرُّؤَسَاءِ الصَّالِـحِينْ = مَنْ هَمُّهُمْ رِضَى الْجَلِيلِ كُلَّ حِينْ
وَيَذْكُرُ اللهَ كَثِيرًا بِلِسَانْ = وَقَلْبُهُ أَدْنَسُ مِنْ كُلِّ جَنَانْ
وَيُظْهِرُ الزُّهْدَ وَلَمْ يَقْصِدْ بِهِ = سِوَى اقْتِنَاصِ الْمَالِ فَلْتَنْتَبِهِ

وقال في مَنظومتهِ “إلهام الودود في جواب محمُود”:
وَلاَ تَكُنْ مُلْتَفِتًا لِكُلِّ مَنْ = رَأَيْتَهُ يُشْبِهُ صَالِحًا زَمَنْ
فَإِنَّمَا الْمَدْحُ مَعَ الذَّمِّ يَكُونْ = مِنْ بَعْدِ تَجْرِيبٍ فَجَرِّبْ يَا فَطِينْ
فَلاَ تَكُنْ شَارِبَ كُلِّ مَاءِ = وجَدْتَهُ فِي كَأْسِ أَوْ إِنَاءِ
وَلاَ تُجَالِسْ غَيْرَ زَاهِدٍ وَرِعْ = قَدْ كَانَ ذَا نَصِيحَةٍ فَتَنْتَفِعْ

وَأخيرا، جَاء بالحَلِّ الأمثل عند شُيوعِ هذا الطِّراز من المتشيّخينَ، وعند فُقدان الطِّراز الأول، فقال:
إِنْ لَمْ تُلَاقِ مُصْلِحًا فَلْتَكْتَفِ = بِمَا بِهِ نَصَّ خِيَارُ السَّلَفِ
فَهْوَ شَرِيعَةُ النَّبِيِّ الْـمُصْطَفَى = صَلَّى مُسَلِّمًا عَلَيْهِ ذُو الْوَفَآ

وقال – رضي الله عنهُ – في منظومتهِ (مسالك الجنان) ناقدا بعض المُتصوّفةِ الجاهلينَ ومُفنِّدا رأيهُم السَّخيف:
وَيدَّعِي الْبَعْضُ الْوُصُولَ تَارِكَا = عِبَادَةًٍ حَتَّى يَصِيرَ هَالِكَا
وَغَرَّهُمْ فِي ذَاكَ سُوءُ الْفَهْمِ = وَدَنَسِ الْحِجَا بِغَيْرِ الْعِلْمِ
وَفَسَّرُوا لَفْظَ الْيَقِينِ باليَقِينْ = فِي آخِرِ الْحِجْرِ بِلَا مَوْتٍ يَحِينْ

وقال العبدُ الخديمُ – رضي اللهُ عنهُ – في معنى قَولهِ تَعَالَى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأتِيَكَ الْيَقِينُ}[سُورة الحجر: 99] أَيْ الْمَوْتُ، وَمِنَ التَّأوِيلَاتِ في الْيَقِينِ أَنْ يُلَازِمَ الشَّخْصُ عَادَتَه حَتَّى اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهَا جَوَارِحُهُ”. [المجموعة الصُّغرى، ص: (10)]

وقال:
وَبَعْضُ مَنْ تَصَوَّفُوا وَزَعَمُوا = بِأَنَّ مَا هُمْ فِيهِ مِنْهُ أَعْظَمُ
وَذَلِكَ الدَّلِيلُ زُورٌ وَكَذِبْ = قَدْ غَرَّهُمْ إِبْلِيسُ فِيهِ فَاقْتَرِبْ
لِأَنَّهُ مَادَةُ كُلِّ عِلْمِ = فِي هَذِهِ الدُّنْيَا بِقَوْلِ الْقَرْمِ
لَا تَهْجُرَنْهُ وَاتْلُهُ مُؤَبِّدَا = وَاسْتَنْبِطَنْ مَا شِئْتَ مِنْهُ أَبَدَا
مِنَ الْعُلُومِ مِثْلَ صَالِحِ السَّلَفْ = إِذْ كُلُّهُمْ مِنْ لُجِّ بَحْرِهِ غَرَفْ
وَكُلُّ وَصْفٍ فِيهِ مَدْحُ رَبِّنَا = عِبَادَهُ اتَّصِفْ بِهِ، وَاسْتَهْجِنَا
كُلَّ صِفَاتٍ قَدْ نَهَى الْعِبَادَا = عَنْهَا وَجَانِبْهَا تَحُزْ رَشَادَا
فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ مَا أَنْزَلَهْ = إِلَّا لِتَعْمَلَ بِهِ فَاسْتَعْمِلَهْ

وَهذا الكلام يتضمن مَعنى قَولِ شَيْخِنَا الإمامِ الْيَدَالِيّ الدَّيْمَانِيِّ فِي كتابهِ (الذَّهَبِ): “وَبَعْضُ الْمُتَصَوِّفَةِ زَعَمُوا أَنَّهُمْ قَدِ اشْتَغَلُوا بِمَا هُوَ أَهَمُّ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ كَذِبٌ وَزُورٌ؛ فَإِنَّ الْقُرْءَانَ مَادَّةُ كُلِّ عِلْمٍ فِي الدُّنْيَا، فَلَا تَكُنْ مِمَّنْ يَهْجُرُهُ، بَلْ اتْلُهُ دَائِمًا وَاسْتَنْبِطْ مِنْهُ مَا شِئْتَ مِنَ الْعُلُومِ كَمَا عَلَيْهِ الْمُجْتَهِدُونَ، وَانْظُرْ فِي تِلَاوَتِكَ إِلَى كُلِّ صِفَةٍ مَدَحَ اللَّهُ عِبَادَهُ وَافْعَلْهَا وَاعْزِمْ عَلَى فِعْلِهَا، وَكُلِّ صِفَةٍ نَهَا عَنْهَا فَاتْرُكْهَا وَاعْزِمْ عَلَى تَرْكِهَا؛ فَإِنَّهُ تَعَالَى مَا ذَكَرَهَا إِلَّا لِتَعْمَلَ بِهَا”. [يُنظر: الذّهب الإبريز في تفسِير كتاب الله العزيز، للشيخ محمَّد اليدالي، ص: (214/1) منقولا عن كتاب (الكبريت الأحمر في اختصار الفتوحات المكية) لمحي الدين بن عربي، للإمام أبي المواهب الشَّعراني].

تصحيحُهُ – رضي الله عنه – مفهوم التوكُّل

إنَّ بعض المتصوفة حسِبوا خطأً أن التصوُّف ليسَ إلا العُكوف في رحاب المَساجد أوالزوايا للأذكار والعبادات، والتعطُّل عَن العمل بحجّة علَى التوكل، فأراد الشيخ أن يصحّح هذا الفهم الخاطئ البعيد عن الصَّوابِ، فقال في بيان معنى التوكل في منظومته (مسالك الجنان في جمع ما فرقه الديماني):
فَتَرْكُ كَسْبٍ لِادِّعَا تَوَكُّلِ = مَعَ الْتِفَاتٍ فِعْلُ غُمْرٍ إِنْ جَلِي
وَاعْلَمْ بِأَنَّ الْكَسْبَ لا يُنَافِي = تَوَكُّلاً، لا تَكُ ذَا إِتْلافِ
حَسْبُكَ مِنْ تَوَكُّلٍ أَلَّا تَرَى = مُجْرِيَ رِزْقِكَ سِوَى رَبِّ الْوَرَى
فَظَاهِراً تَكَسَّبِ امْتِثَالا = وَبَاطِناً اسْتَسْلِمِ اتِّكَالا

سبحان الله يا شقيق !!

ورد أن شقيق البلخي ودع صديقه إبراهيم بن أدهم، لسفره في تجارة، ولم يلبث إلا مدة يسيرة ثم عاد ولقيه إبراهيم، فعجب لسرعة إيابه من رحلته، فسأله: لِمَ رجع؟ فقص عليه قصة شهدها أنه رأى طائرًا أعمى كسيحًا وجاء طائر آخر يحمل إليه الطعام ويمده به، حتى يأكل ويشبع، فقال شقيق: إن الذي رزق هذا الطائر الأعمى الكسيح في هذه الخربة لقادر على أن يرزقني، وقرر العودة، فقال له إبراهيم بن أدهم: سبحان الله يا شقيق ! ولماذا رضيت لنفسك أن تكون الطائر الأعمى العاجز، ولا تكون أنت الطائر الذي يسعى ويكدح ويعود بثمره على العُمى من حوله، أما سمعت قول رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “اليد العليا خير من اليد السفلى” [متفق عليه].

هذه الأشياء لا تنافي التوكل

وكان الشيخ العابد الزاهد إبراهيم الخواص – رضي الله عنه – إذا أراد السفر يأخذ معه إبرة وخيوطًا ومقصًا وإناء به ماء، فسأله أحد أصحابه: لم تحمل هذه الأشياء يا أبا إسحاق وأنت من الزهاد؟ فقال ابراهيم: هذه الأشياء لا تنافي التوكل؛ لأن لله تعالى علينا فرائض، والفقير لا يكون معه إلا ثوب واحد، فربما يتمزق ثوبه، فإن لم يكن معه إبرة وخيوط تظهر عورته فتفسد صلاته، وإذا لم يكن معه إناء به ماء لم يستطع أن يتطهر لصلاته، وإذا لم يكن معه مقص لم يستطع أن يقص شاربه كما أمرنا الرسول – صلى الله عليه وسلم -. [ينظر: كتاب موسوعة الأخلاق والزهد والرقائق” (قصص تربوية من حياة الأنبياء والصحابة والتابعين والصالحين) لمؤلفه: فضيلة الشيخ ياسر عبد الرحمان، الناشر: مؤسسة اقرأ للنشر والتوزيع والترجمة، القاهرة الطبعة: الأولى، 1428 هـ – 2007 ، ص: ج1، ص: (58) وما بعدها]

بقلم الأخ الفقير إلى الله سرين امباكي جوب خضر الطوبوي خريج معهد الدروس الإسلامية ومدرس اللغة العربية والشَّريعة الإسلامية في معهد الخليل الإسلامي ومعهد فتح المَنان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock