الدين و الترييةالسياسةالعمل والمستجدات

القادة من أين يأتون ؟ عبد الرحمن بشير

القادة من أين يأتون ؟ عبد الرحمن بشير
………………………. ………………………
سؤال محوري ، هل القيادة موهبة ؟ أم تكتسب من خلال الصناعة ؟ هل هي خاص ببعض العائلات دون البعض ؟ أم هي للجميع ؟
سؤال محوري وهام ، وهناك إشارات من كتاب الله تبارك وتعالى ، وخاصة فى سورة البقرة حين تناولت قصة ( طالوت ) العجيبة ، فالسورة تنقل لنا قصة جرت بين بنى إسرائيل ونبي لهم ، فقد طالبوا قيادة عسكرية تخرجهم من العبودية ، وتحررهم من الرق السياسي ، فاستجاب الله لهم ، واختار لهم قائدا لديه مواصفات القيادات ، ومن هنا جاء الجواب من القوم ، والجواب من الواقع السياسي والفكري الذي يعيشون فيه ، فقالوا له : ( أنّى يكون له الملك ، ونحن أحقّ بالملك ) ، ولماذا ؟ فقالوا ( ولَم يؤت سعة من المال ) .

هل ثمة علاقة بين المال والقيادة ؟ وهل كل من يملك مالا يستحق القيادة ؟ فهذا هو دليل القوم ، وربما كان هؤلاء يملكون شيئا من العقلية الرأسمالية الحديثة ، فهناك نظريات تربط بين الذكاء والمال ، وبين السذاجة والفقر ، ولا شك أن الفقر يؤثر على مستوى الذكاء ، ووجود الثروة التى تأتى من وراء التخطيط لديها تأثير واضح على الذكاء ، وإنتاج العقول القيادية .

لا توجد بالضرورة علاقة بين القيادة والمال ، ولا توجد كذلك علاقة بين وجود الفقر كحالة والقيادة ، فالنبي محمد عليه الصلاة والسلام تربي فقيرا ويتيما ، وصار أعظم قيادي فى العالم ، وفى التاريخ البشري ، وهكذا تربي نبي الله عيسى عليه السلام ، ومع هذا فهو من أعظم المؤثرين فى التاريخ ، ولدينا ملايين من البشر يملكون الأموال ، ولكنهم يشكون من الغباء ما الله به عليم !

هناك نظرية تؤكد بأن البشر يولدون جميعا ، ولديهم موهبة القيادة ، ولكن الواقع ، ونوعية التربية ، والبئيات السياسية تقتل تلك الموهبة ، ولهذا لا تبقى تلك الموهبة إلا عند القليل من الناس ( ٣٪؜ ) من الناس ، أم الباقى فيصبحون بشرا عاديا لديهم قابلية للتحكم فى حياتهم من خلال الآخرين .

القيادة لا تعنى الإدارة ، ولا تعنى التحكم على الناس ، فليس كل من يدير مؤسسة قائدا ، وكل من يقود دولة ، أو شعبا ، فلا يعنى ذلك أن لديه روح قيادة ، بل القيادة فى مفهوم الآية لها معنى محدد ( القوة ، والعلم ) ولهذا قال تعالى ( إن الله اصطفاه عليكم ، وزاده بسطة فى العلم والجسم ) ، وهناك من العلماء من يرى أن البسطة فى العلم والجسم ، لا تدل على وجود موهبة القيادة لدى الإنسان ، لأن هناك من يملك ذلك ، وليس لديه أدنى تأثير فى الحياة ، فالعلم والقوة يمنحان للقائد قوة فى التأثير ، ومهمان للإنسان القيادي ، ولكن هناك موهبة قيادية للإنسان من البداية ، وبهذا فهي موهبة ، ولهذا كانت بداية الآية ( إن الله اصطفاه لكم ) ، والقيادات تظهر فى الأمم قليلا ، ولا تكثر فيها .

هناك مدرسة فى الفكر القيادي ترى بأن ذلك مختص بالقيادات الكبيرة ، والصانعة للحياة ، ولكن القيادات الطبيعية تبقى فى الأمم ، وتكتشف من خلال الدراسات ، وتصقل عبر التربية والتكوين ، وعبر الاعمال والممارسات ، والقيادات لديها مشروع واحد فى الحياة ، وهو التأثير على الناس من خلال أعمال تراكمية غير منتهية لا تتوقف عند محطات معينة ، أو عند مناطق معينة ، فالقائد الذى ينسحب من الحياة فاشل ، وهو أيضا ليس يدّعى القيادة .

القيادة تكتسب من خلال الصناعة ( واصطنعتك لنفسى ) ، ولكنها كذلك موهبة بحاجة إلى اكتشافها ، واكتشافها ليس بالأمر السهل ، ( الناس كإبل مائة ، لا تكاد تجد فيها راحلة ) ، ومن أخطر القيادات فى حياة الشعوب تلك المهتمة بتغيير أفكار الناس ، وتغيير الفكر مقدم على تغيير السلوك ، ولهذا يلعب المفكر القيادي دورا أخطر من دور القيادي السياسي ، فالقيادي السياسي يحاول تغيير السلوك للأفراد والشعوب من خلال السياسات ، ويؤسس للدولة والجماعات أنماطًا حياتية ، ولكن لو كانت الساحة غير مهيأة لذلك ، فيتعب طويلا كما جرى لنبي الله موسى عليه السلام ، فقد كان الشغب غير مستعد للتغيير ، ولهذا كان التيه عقابا لهم من قبل الله تبارك وتعالى .

نحن اليوم أمام مشكلة مركبة ، مشكلة الاستبداد السياسي ، ومشكلة التدخل الخارجي ( الاستبداد والاستعمار معا ) ، ونحتاج إلى خريطة فكرية وسياسية وكيفية الخروج منهما ، ومن هنا يأتى دور القيادة الفكرية قبل القيادة السياسية ، فمن لا يفهم المشكلة يعمل بلا خريطة سياسية ، وهذا هو السبب الذى جعل الامة تعيش المرحلة طويلا ، وتعيد التجارب ذاتها ، لأنها تعمل بدون خريطة .

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock