السياسةالعمل والمستجدات

قضيّةُ المُعارض السّياسيّ بارتلم چاس في ميزان الأخلاق !

قضيّةُ المُعارض السّياسيّ بارتلم چاس في ميزان الأخلاق !

في البداية يجبُ أن أعترفَ أنّني لستُ مؤهّلًا لاقتحام حريم أبجديّات القوانين الوضعية الفاسقة التي فُرضتْ علينا فرضًا لِتبتّ في مثل هذه القضايا، وقضايا حياتنا جميعًا دقيقِها وجليلِها، ولستُ جاهزًا أيضًا لتوريط قلمي في الجدل الحقوقيّ المُعقّد الذي لا يعرف المرءُ أين يقف فيه، ولذلك سأسكتُ عن هذيْن الجانبيْن سكوتَ من لا يعلم ويعلم أنّه لا يعلم ! كما سأسكتُ عن كلّ ما يمتُّ إلى القتيل بصلةٍ ولن أتعرّض له، وأؤكّدُ أنّني ما كنتُ لأفكّر في إتعاب تفكيري بهذا الموضوع لو لا ما لاحظتُه ولمستُه من تغييبٍ صارخٍ مقصودٍ للجانب الأخلاقيِّ والقيميّ في هذه القضيّة، وهو – برأيي – الجانبُ الأهمُّ – في هذه القضيّة بالذات – الذي كان عليْنا لفتُ الانتباه إليه، وتكديس النقاش حوله،حتّى نتمكّن من مشاهدة الأمور بطريقةٍ شفّافةٍ خاليةٍ من الضبابيّة الإعلاميّةِ القذرة، والألاعيب السّياسيّة المقرفة، والتقارير القضائيّة الماكرة، لماذا أهتمُّ بالجانب الأخلاقيّ دون غيره ؟! لأنّه الرّكيزة الأولى التي ساعدتْ مجتمعنا على البقاء مُتماسكًا مترابطًا قويَّ البنية طوال تاريخه العريق الممتدّ، فهو الذي به كنّا نُعلي ونُخفض، الأمرُ الّذي يجعل الاعتداء عليه اعتداءً مباشرًا على أقدس موروثٍ، وأطهر تركةٍ حصلنا عليها، ربّما سيقول أحدُ القرّاء وهو محقٌّ فيما يقول : باللّه عليك يا أخي، أما علمتَ أنّ السّياسة لا تعرفُ الأخلاق ! وأنا أضيفُ له إن شاء … ولا تعرفُ الدين ولا النسب ولا الحسب أيضًا … ولكن إن كانت السّياسةُ تُنكر كلّ هذه، أو لِنقلْ إن كان السّاسةُ يعرفون الأخلاق متى شاءوا ويُنكرونها متى أرادوا باسم السّياسة، وكأنّ الكذب والغدر والظلم وابتلاع الكلمة واختلاس الأموال وخيانة الحليف… وكلَّ ما يناقض الأخلاق الشريفة والغاية النبيلة يُصبح جميلًا يجبُ استقبالُه بتصفيقاتٍ حارّةٍ، ما دام هذا الشّيء الشّنيع يستكنُّ تحت عباءة السياسة، ويُدعى فاعلُه سياسيًّا، أقول إن كان هذا وأقبحُ منه جائزًا لدى تلك الكتلة الإنسانية المسمّاة بالسّاسة، فما الّذي يمنعني أنا وأنت أن نعرفَ الأخلاق الحميدة ونقرّها، ونحصِّنها، ونُحاكم السّاسة طبقًا عليها، فمن ثقلتْ موازينُه أخلاقيًّا إلى جانب كفاءاته الذاتيّة فهو عندنا المقدَّم المحترم، ومن خفّتْ موازينُه فيها فهو المنبوذ المخذول، لماذا لا نحكم الأشياءَ بهذه المعايير الواضحة بلا لجلجةٍ وبلا مداورةٍ ؟! لماذا نبقى نبرّرُ جور القويّ على الضّعيف ونطلبُ له أعذارًا واهيةً، مهما كان ظُلمه واضحًا جليًّا لا غبار عليه ؟! لماذا نصفّقُ على ازدواجية المعايير التي يتعامل بها القضاء مع المواطنين المُعارضين للنّظام والمُوالين له، وهم بحسب ما يُقال سواسيةٌ أمامه كأسنان المشط ؟! ولكن على ما يبدو ما زال الحالُ الواقعُ يُفنّد المَقال السّائر !

كنتُ سأفهمُ لو أنّ النّظام السّابق الذي اتّهم الرّجل بالقتل، والذي اتّفقتِ الرّواياتُ على كونِه جزءًا من المأساة، بتدبيرٍ أو تخطيطٍ أو ما شابهه، عاد إلى القصر من جديدٍ، ثمّ أعاد فتح ملفّ القتيل الذي قُتل أمام بلدية المعارض ” بارتلم چاس ” كنتُ سأفهمُ أيضًا لو أنّ سياسيًّا آخر ليس له ماضٍ مُتقاربٌ مع ” بارتلم ” استولى على السلطة، فاتخذّ هذا الملفَّ ورقةَ ضغطٍ عليه لكبح جماحه وتقييد حركته، بلْ كنتُ سأفهمُ الرّئيس الحالي نفسَهُ لو لا ذلك الدّعم النّفسيُّ الكبير الذي قدّمه للرّجل قبل أن يكون رئيسًا، والموقفُ الصّارمُ البيّنُ الذي اتّخذه تجاه المتّهَم وتجاه القتيل وتجاه النظام القائم في ذلك الوقت، ثمّ التكتيكاتُ السّياسيّةُ المهمّةُ التي وضعها بعد أن صار القرارُ إليه ليُخلّص حليفَه السّابق من غياهب السّجن إلى كَراسي البرلمان، أما وقد فعل كلّ ما ذكرتُ، ثمّ يعود بعد انفصالٍ وتَقاطُعٍ وتنافُرٍ في المذهب السّياسيّ، ليلعب بالأوراق التي كان قد أنكرها هو قبل جميع المنكرين وأكثرَ مِن سائرهم، فلا يمكنني تسميتُه إلا خبثًا سياسيًّا وانحطاطًا أخلاقيًّا، ينبغي أن لا يكون مثلُه في الخصومة السياسيّة ولا التّنافس الانتخابيّ، فما هذه هي السياسة التي نتمنّاها لوطننا الغالي، ولا هي الأخلاق التي نودُّ أن تسود على بيئتنا الاجتماعيّة.

أمّا بعد، فلن أتسرّع في اتّهام القضاء اتّهامًا قطعيًّا بأنّه ينوي عرقلةَ وإرهابَ هذا المرشّح أو ذاك، وإن كان هذا الاحتمال يسيطر على عقلي كليًّا، ولكنّي أقول : إنّ التّنافس السياسيّ يجب أن يكون شريفًا، وإن البلاد بحاجةٍ ماسّةٍ إلى هدوءٍ وأمنٍ وسلامٍ واستقرارٍ … ، وإنّ هذا الظرف الصّعب الذي نمرُّ به لا يناسبُ استدعاءاتٍ يشكُّ جلُّ المواطنين في براءتها من الأغراض السياسيّة، والأفضل فتحُ الأبواب للمنافسين السياسيّين، ثمّ إتاحةُ حرية الاختيار للشّعب حتّى يختار بكامل إرادته، أمّا سوى ذلك فلا يجلب إلا الفتن، ومن أيقظ الفنتة من مرقدها فهو ملعون. !

الحاج مود ساخو / ٩ / ١١ / ٢٠٢١

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock