السياسةالعمل والمستجدات

الصحوة المسلمة ومرحلة الأسئلة الصعبة . عبد الرحمن بشير

الصحوة المسلمة ومرحلة الأسئلة الصعبة . عبد الرحمن بشير
( مقال كتبته من قبل ، ولكنى أقوم بإعادة نشره بعد تعديلات للأهمية )
…………………………………………………………………………………
السلفية كفكرة تواجه امتحانا صعبا ، والإخوان كتنظيم يواجه لحظة صعبة وخطيرة ، وحركة التبليغ كمشروع تواجه أسئلة الوجود ، ولهذا فالجميع ليسوا فى مكان آمن ، فاللحظة ليست سهلة على أحد ، ولكن الخطير هو أن الجميع يعيش مع اللحظة بلا قلق فكري ، هم كما كانوا ، والزمن ليس كما كان ، أليس هذا من عجائب الزمن ؟!

السلفية ليست واحدة ، ولكنها فى مواجهة الإمتحان واحدة ، ما مبرر وجودها فى هذه اللحظة ؟ والإخوان ليسوا مدرسة واحدة ، ولكن ماذا يريد تنظيم الإخوان من العالم بعد الصحوة ؟ هذه اللحظة ليست مثل اللحظة التى انبثقت الجماعة فيها قبل عقود تسعة من الأن ، والتبليغ ليسوا على مذهب عقدي واحد ، لدينا تبليغيون أشاعرة ، وتبليغيون ماتريديون ، وتبليغيون من الفكر السلفي ، ولكن ماذا وراء حملة الخروج فى سبيل الله بعد ظهور التكنولوجيا الذى قرّب المسافات ، وجعل العالم كله قرية واحدة؟ هل يمكن الخروج فى سبيل الله عبر النت بلا سفر ؟

ماذا بعد السلفية ؟ وماذا بعد الإخوان ؟ وماذا بعد التبليغ ؟ هل وصل القطار إلى المحطة الأخيرة ؟ وهل استنفذت الحركات أفكارها ؟ إنها أسئلة من الشباب الجدد ، ومن الجيل المخضرم الذين لم يكونوا جزءا من الواقع القديم الذى أدّى إلى تشكّل الحركات ، وظهور الصحوة .

لقد تغير الزمن بسرعة ، وتغيرت الأوضاع بكل ما فيها ، وازدادت تعقيدا وتشابكا ، ويطرح الجيل الجديد أسئلة جديدة ، وخطيرة ، وغاية فى الأهمية والعمق ، وقلّ فى داخل الحركات المفكرين والفقهاء الذين يتفاعلون مع أسئلتهم ، وكثر فيها العمليون والإداريون ، ولهذا تسرّب منها المفكرون كما قال العلامة القرضاوي قديما فى خطاب له فى جلسة فى الجزائر ، وأعاد الخطاب فى كتاب ( أولويات الحركة الإسلامية فى المرحلة القادمة ) ، وتحققت النبوءة فى كثير من البلاد ، والخطير أن العقول فى العالم الإسلامي بدأت الهجرة من بلاد القهر ، أو انتقلت من حالة السعة إلى حالة الضيق حيث السجون ، والبعض منهم انتقل إلى رحمة الله ، فقد فقد العالم الإسلامي الأستاذ طارق البشري ، ذلك العقل الفقهي والقانوني الذى جمع بين الفكر والعمل ، وقدم خلاصة تجاربه فى كتب عدة ، كما فقدت الأمة من قبل الدكتور محمد عمارة رحمه الله ، والذى نجح فى رصد الفكر الغربي بعلم ، وواجه الغزو الفكري بهدوء المفكر ، وحماس المؤمن ، وقدم عصارة فكره عبر قلق منهجي ، ورحل فى صمت العالم الكبير الدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله ، صاحب القلم المنهجي ، وهكذا عاشت الأمة فى فقد العقول ، ولكن بدون بديل كبير عنهم إلا قليلا .

إن الفكر الإسلامي يعيش اليوم فى مرحلة قلق منهجي ، ذلك لأن المرحلة المقبلة ليست سهلة كما يحسب كثير من المسلمين ، فقد انتهى زمن الإستقطاب الفكري ، وبدأنا زمنا جديدا من شأنه الخلوص إلى مرحلة تحاور ما بين الأفكار ، فهل يمكن للمسلم أن يعيش فى ظل دولة علمانية تحترم آدميته بدل أن يكون تحت دولة مسلمة تدّعى تطبيق شرع الله ، ولكنها تظلم وتقتل باسم الفقه والشرع ، وباسم التأويلات الفقهية التى تسوّغ للحاكم والسلطات فى جلد الظهور ، وأخذ المال ، بل وتسوّغ الزنا والسرقة علنا فى القنوات ، ولا يرفع أحد صوته ضد السلطات ، لأن ذلك فتنة ، فماذا يملك الفقه والخطاب الإسلامي لهذه الحالة ؟ هل يمكن أن ينتج الخطاب الإسلامي فلسفة حكم تجمع ما بين حماية الذات ، والديمقراطية ؟ وهل ما زال الفكر الإسلامي يخلط ما بين العلمانية كمنهج ، والديمقراطية كممارسة ؟ وهل الديمقراطية كممارسة نكسة ونجسة فى داخل المنظومة الإسلامية ، وخطوة حضارية فى الأمم الأخرى ؟ إنها مرحلة جديدة تتطلب إصدار فقه جديد ، وصناعة خطاب نوعي يقنع العقول الجديدة ، ويجذب الجيل المخضرم المتسائل والقلق .

لقد ظهرت فى الساحة ما بعد الربيع العربي ظاهرة جديدة ، ظاهرة إنتشار الإلحاد ، وخاصة فى الخليج العربي ، كما ظهرت فى الساحة كذلك ، وخاصة فى الصومال ظاهرة الإبتعاد من الصحوة والحركات ، والإنتماء إلى الفكر القبلي كبديل سياسي من جانب ، أو الذهاب إلى مربع ( اللاإنتماء ) وهو مشروع فكري ، ولكنه لا لون له سياسيا ، ولا حتى مذهبيا ، بل ولاحظت فى الغرب ظهور جيل يحاول الخروج من الدين ، ولكن البعض منهم يبقى فى مربع ( اللادينية ) ، فهو بلا انتماء ديني ، كما رأينا شبابا وشابات خرجوا من الدين الإسلامي ، وتحولوا إلى المسيحية ، فكل ذلك يطرح تساؤلات عميقة حول نوعية
الخطاب الذي يجب طرحه فى السوق الفكري لإقناع الجيل الجديد ، والذى بدأ يتمرد على الذات الحضارية .

إن هذه المرحلة تستدعى ، وبلا ريب ظهور مفكرين من نوع ( الغزالي القديم ) والذى بدأ حياته فقيها ، فتمردا فيلسوفا ، فانتهى صوفيا مؤمنا ، وكتب تجربته الفريدة فى كتابه القيم ( المنقد من الضلال ) ، ويعتبر هذا الكتاب الفريد سيرة ذاتية لهذا العقل العجيب فى الحضارة الإسلامية ، والمرحلة كذلك تستدعى ظهور ( ابن تيمية ) من جديد ، فهذا الرجل الذى نجح فى محاربة جبهات مختلفة ، ولكن بعد أن نجح فى إيجاد منهجية معرفية للتعامل مع النص والواقع ، والرجلان عندي يتكاملان ولا يتناقضان ، يختلفان ولا يتشابهان ، بل وأرى أن الساحة بحاجة من جديد إلى عقل مسلم متحرر من الأغلال الفكرية كما صنع ( الغزالي الجديد ) ، والذى كان حالة استثنائية فى داخل الصحوة المسلمة ، فكتب كتبه المتميزة فى نقد العقل المسلم ، ورفض الغزو الفكري ، ودعا إلى تجديد الفهم للدين والحياة ، ومن خلال هذه العقول نستطيع أن نقنع الفئة الجديدة من الجيل المخضرم الذى بدأ حياته شاكا ومتسائلا ، ويحاول الخروج من الذات الحضارية للأمة ، فهذا الجيل ليس بحاجة إلى وعظ مكرر ، أو إلى مناقشات فكرية تجاوزها الزمن ، بل هو بحاجة إلى خطاب يقنع عقله ، ويستوعب طموحاته ، وهذا النوع من الخطاب قليل فى داخل الحركات فى هذا الزمن .

لقد رأيت غالبية المتخصصين ، والدارسين ما بعد الثانوية يبتعدون عن الخطاب الديني ، لأنه خطاب منفعل ، وعاطفي إلى حد بعيد ، وفى بعض الأحيان يعيش فى زمن مضى ، فهو يرد على الأموات ، ولا يناقش مع الأحياء ، بينما الشباب المتعلم فى الجامعات الغربية يعيش مع أسئلة العصر ، وليس مع تساؤلات الأموات ، هذا من جانب ، ومن الجانب الآخر ، فأغلب الوعاظ تتجه كلماتهم فى الإثارة ، وهذا لا يؤثر الأكاديميين بحال من الأحوال ، بل ولاحظت فى خطاب البعض عدم معرفة ( علم الإلحاد ) المعاصر ، فهو علم شعبوي يخاطب العقول الجديدة بلغة العلم مع استخدام أدوات الدعاية المعاصرة ، ومن هنا نجح فى اختراق العقول المسلمة ، ويرى كثير من المفكرين بأن الإلحاد سيكون ناجحا بصورته الحالية فى الخليج ، وأنا كذلك مقتنع بأن هذه الظاهرة لها وجود فى الساحة الصومالية ، ولكنها تنتشر بصمت وهدوء .

نحن بحاجة إلى أطباء جراحيين فى داخل الفكر الإسلامي يقومون بعمليات خطيرة ، ولكن ذلك يجب أن يتم بعد دراسات عميقة وقوية للظاهرة ( الإلحاد ) من جانب ، والهروب من الفكر من جانب آخر ، وكل ذلك يستلزم الإهتمام فى بناء العقل من جديد ، ولكن عبر آليات جديدة دون أن نبتعد من الأدوات الشرعية ، وبهذا يمكن أن نعيش زمننا الصعب ، وأن نتجاوز الإمتحان الصعب فى زمن اللاإنتماء الحضاري .

إن الزمن يمضى بأسئلته ، ولكن رجالات الصحوة يعيشون اليوم بأسئلة الماضى ، هنا نجد أن امتحان الزمن صعب ، وليس أمرًا سهلا ملاحظة الخلافات السياسية بين الرموز الكبار فى داخل الحركات حول قيادة السفينة ، فقد بدأت الصفحات تمضى ، ولكن قطار البعض ما زال متوقفا ، وهنا نجد كذلك اختبارا آخر قد يبدو من الظاهر أنه عادي ، ولكنه من العمق يكون صعبا جدا .

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock