السياسةالعمل والمستجدات

ما وراء النجاح الفردي والجماعي . عبد الرحمن بشير

ما وراء النجاح الفردي والجماعي . عبد الرحمن بشير
…………………………………………………………………………. ………………………………………
لدينا ثلاثية تمثل بالنسبة للفرد ، وكذلك للجماعة ، والحزب ، والنظام السياسي روافع مهمة تؤدى إلى النجاح ، سواء كان الشخص الذى يعمل لأجل التغيير والإصلاح فردا ، أو شخصا اعتباريا ، كالحزب والجماعة ، ولهذا نحن نحتاج إلى هذه الثلاثية التى تمثل المفاتيح للنجاح الفردي ، أو النجاح الجماعي .

قبل أن أكتب عن الثلاثية ، أريد أن أقدم إليكم أمرين مهمين فى خريطة ( السعادة ) أو الجمع بين النجاح والسعادة ، فهناك من ينجح ، وبقوة ، ولكنه يفشل فى السعادة ، فالسعادة حالة روحية ، وليست حالة جسدية أو مادية فقط ، كما أن النجاح يمثل حالة مادية ، أو وقتية ، وعندنا ينقسم الناس وفق هذه الخريطة إلى أربعة أشخاص :

أولا : الشخص الذى يفقد النجاح والسعادة معا ، وهو الذى لا يملك حرفة فى الحياة ، وليست لديه رؤية ، أو خريطة للتعامل مع مفردات الحياة ، فهذا النوع من البشر ليس سعيدا ، ولا يحقق فى الحياة نجاحا ، وهؤلاء يمثلون أغلب البشر فى الحياة ( ولكن أكثر الناس لا يشكرون ) .

ثانيا : الشخص السعيد ، والذى يعيش فى حياته سعادة معتبرة ، قد تكون حقيقية ، أو قد تكون وهمية ، وهذا النوع يفقد كذلك فى حياته ( حرفة ) تجعله ناجحا ، فليس لديه حرفة فكرية ، أو عملية ، فهو يعيش فى حياته عبئا على التاريخ ، وقد يمثل ( رقما ) سهلا فى الحياة ، لأنه ليس لديه ما يجعله ناجحا فى الحياة ، فهذا النوع يكثر فى المتدينين لسوء الحظ .

ثالثا : الشخص الناجح دنيويا ، ويحقق فى حياته تقدما ملحوظا فى جوانب عدة ، فهو لديه أموال معتبرة فى أرصدة البنوك ، وعنده عقارات فى بعض العواصم ، ولديه سيارات جميلة وراقية وذات أسعار مرتفعة ، وقد تكون لديه طائرات وسفن ، وعنده قصور فى بعض الجزر ذات المناخ المعتدل ، ولكن هذا الإنسان يعيش كئيبا ، وغير سعيد ، فحياته غير مستقرة من الداخل ، لأن لديه مشروع كبير فى الحياة ، ولكن ليس لديه رؤية تتجاوز الدنيا ، أو تنقصة الخريطة الشاملة للحياة ، فهو كقارون الذى ملك الدنيا ، ولم يملك قلبه .

رابعا : لدينا شخص يجمع بين الخريطة والمشروع ، بين النجاح والسعادة ، فهو الذي يجمع فى حياته الحرفة والرؤية ، ويعمل لإنجاح حياته الخاصة بقدر المستطاع ، ويجعل حياته جنة بقدر المستطاع ، وقديما قال العلماء : من لم يدخل جنة الدنيا ، لا يدخل جنة الآخرة ، فهنا ( جنة ) وهناك ( جنة ) ، ولكنهما ليسا سواء ، فالإنسان المطلوب هو ذاك الذى يسعى لمرضاة الله أولا ، ثم يحسن ذاته لأجل أن ينجح فى الدنيا ، وبهذا يصبح هذا الإنسان سعيدا من الداخل ، وناجحا فى الخارج .

ما هي الثلاثية المطلوبة لإنجاح المشاريع ؟ لماذا تمثل هذه الثلاثية مفتاحا للنجاح الفردي والجماعي ؟
لدينا مستويان من الحياة ، المستوي الفردي ، والمستوي الجماعي ، وكل واحد منهما يتطلب هذه الثلاثية التى تؤدى إلى النجاح ، فنحن اليوم نعيش لحظات التراجع والتردي ، ولحظات التخلف والتقهقر ، ويجب أن نطرح ، أين الخلل ؟ وما الحل ؟

عندنا ، من يتحدث عن الخلل فقط دون أن يذكر الأسباب ، والحلول ، ومنا من يبحث عن الحلول ، ولا يبحث عن الأسباب ، وهنا تكمن الخطيئة الفكرية ، والمنهجية ، بل ومن خلال هذه الدراسات نسطّح المشكلات ، ونعالج القضايا المعقدة بسهولة .

إن الثلاثية التى تمثل مفاتيح النجاح للفرد هي :
أولا : التحسن الذاتي المستمر على مستوى الفرد ، والتحسين الذاتي على مستوى الجماعة ، أو الحزب ، والفرق بينهما هو أن الأول يتطلب إرادة ذاتية ، وقدرة خاصة ، وعلم وخبرة يكتسبها الفرد فى حياته ، فمن توقّف عن اكتساب العلم ، وجلب الخبرات إلى حياته الخاصة ، فلن يستطيع أبدا تحسن ذاته ، وكذلك الجماعة ، أو الحزب ، يجب عليهما التحسين الذاتي ، والتحسين الذاتي للجماعة يتطلب منها تحسين القيادة ، وتطويرها فكريا ، وسياسيا ، وعلميا وميدانيا ، ورفع مستواها فى فهم المحيط ، وفى معرفة المتغيرات ، كما أن التحسين الذاتي يتطلب من القيادة ، ومن الجماعة ، والحزب تحسين القواعد بشكل مستمر ، فأخطر المشكلات فى الحياة هو ( القسوة ) ، والقسوة تأتى من طول الأمد ، وطول الأمد يقتل الإبداع فى الحياة .

ثانيا : الأوبة المستمرة ( المراجعة ) الدقيقة للحياة ، والمشروع ، والتاريخ ، وأخذ العبرة من الوقائع ، وعدم تقديس التاريخ ، والأشخاص ، فالذى يراجع ذاته سواء أكان فردا أم جماعة ، فهو يرى العيوب الذاتية ، ولكن الذين يعيشون بدون مراجعات حقيقية يحسنون القول ( كتب الله وقدّر ) دون أن يعقلوا دورهم فى الخسارة ، أو فى التراجع ، وقديما قرأت للغزالي المعاصر مقالا رصينا ( مراجعة ، لا رجوع ) ، ولهذا وجدنا فى مسيرتنا الدعوية الانتكاسات الكثيرة ، فمن صفوف الدعوة ظهر منافقون ، وظهر كذلك منتفعون ، بل وظهر فيها من انتكس نحو الهاوية ، فصار من أكلة القات بلا حدود بعد أن كان يحارب ظاهرة تعاطي القات بقوة ، والسبب هو أن مفتاح ( المراجعة ) قد توقف من العمل ، ورب العالمين أقسم على النفوس الكبيرة التى تعمل فى هذا المجال ( ولا أقسم بالنفس اللوامة ) .

ثالثا : التجدد الذاتي للأفراد ، والتجديد الذاتي للجماعة والحزب ، لدينا مشكلة ( الوصاية ) الفكرية عند الكبار ، والمراهقة الدائمة عند الصغار ، فالكبار عندنا ، وفى بلادنا يبقون كبارا حتى الموت ، هم لا يعرفون الإقالة ، والاستقالة ، والترك ، فهم جبال لا يتحركون من الأرض ، والشباب عندنا لا يكبرون ، ولا يأخذون دورهم فى الحياة ، والسبب هو أن الكبير لا يتجدد ، والصغير لا يتطور ، ومن هنا تتوقف الحياة ، ومن أسوأ محطات الحياة ( السكون ) ، وماذا بعد السكون ؟ إنه الموت .

إن الشخص الناجح يتجدد بشكل مستمر ، ولا يتوقف عن التجدد إلا عند الموت ، فهو يقرأ باستمرار حتى لا يتوقف فكريا ، ويذهب إلى العقول الكبيرة ، ويستفيد منهم حتى لا يصيبه الظمأ الفكري ، والظمأ الفكري أخطر وأشد من الظمأ الجسدي ، فالثاني ينتهى بوجود الماء ، أما الآخر فهو يتطلب زادا لا يتوقف ، وقراءة لا تعرف الملل والكلل ، وتعاملا مع العقول الكبيرة بدون سقف زمني ، وحضورا للمؤتمرات والندوات العلمية الحقيقية بقدر الإمكان ، وبشكل مستمر .

إن الجماعة الناجحة تجدد ذاتها من خلال تجديد أفرادها ، ومن خلال ضخ الشباب المثقف إلى صفوفها ، فالجماعة المريضة تبحث عن ( الطاقات ) المعطلة ، وعن المتردية والنطيحة ، بل وتبحث عن الدين يتقنون ( الطاعة ) ولا يناقشون الأفكار ، وتجدد كذلك قياداتها حسب الزمن والمكان ، وحسب التحديات والصعوبات ، كما تحاول تجديد خطابها وفق مرجعيتها وزمنها ، وتجدد هياكلها الإدارية بشكل مستمر ، فالحياة لا تحترم من يبدّد الطاقات ، ولا يجدّدها .

هذه هي ثلاثية النجاح ، وأريد من الذين يبحثون الأمل فى الألم ، ويريدون نهضة أمتهم من جديد أن يهتموا أولا فى نهضة حياتهم ، وتغيير أفكارهم ، ورفع وعيهم باستمرار ، وذلك بالقراءة المستمرة للكتب النوعية ، والتى تصدر من كل مكان فى العالم ، كما يجب أن نصاحب بشكل خاص ( كتاب الله ) ، والسيرة النبوية ، وسير الناجحين فى الحياة .

أدعو الإخوة والأخوات إلى قراءة كتب الأستاذ عمر عبيد حسنة ، فهذا الإنسان غير معروف للجيل الجديد يعتبر من أعظم العقول ، كما أدعو إلى قراءة كتب الدكتور محمد المختار الشنقيطي الرصينة ، فهو أيضا من المجددين فى الفكر الإسلامي ، وأركز كذلك قراءة كتب ومقالات الدكتور سيف عبد الفتاح ، الباحث فى العلوم السياسية ، فهناك أيضا الدكتور حامد ربيع المفكر والفيلسوف فى عالم السياسة ، ولا تنس أن تقرأ للأستاذ مالك بن نبي ، المفكر الذى هندس العلوم الإجتماعية ، وبهذا نقوم على الأقل بالتحسن والتطور والتجدد ، ونعمل فى التحسين والتطوير والتجديد ، وكل ذلك غير ممكن بدون مراجعة حقيقية .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock