السياسةالعمل والمستجدات

ما هي نقطة القوة والضعف عند بوتين الروسي ، وأردوغان التركي ؟ عبد الرحمن بشير

ما هي نقطة القوة والضعف عند بوتين الروسي ، وأردوغان التركي ؟ عبد الرحمن بشير
………………………………………………………. ……………………………. …………. ………………………
فى مقال سابق تحدثنا عن الرجلين ( بوتين الروسي ، وأردوغان التركي ) ، وتناولنا فيه عن ما يجمع بينهما ، وما يفرقهما ، وفى هذا المقال ، نتحدث عن شيئ مهم فى السياسة ، وهو ما يسمى بمآل العمل السياسي ، أو ما يقال عن مستقبل العمل السياسي ، وهذا متعلق بفقه الإستراتيجيات ، وليس متعلقا بواقع العمل .

إن كل واحد منهما يصنع فى وطنه دولة قوية ، وكل واحد منهما لديه كما ذكرنا طموح سياسي غير عادي ، ولكن الامتحان الحقيقي لهما ، ليس فيما يصنعان الآن ، وإنما فيما ينتج من عملهما مستقبلا ، وهل سيستمر ذلك ؟ أم سيفنى مع الزمن ؟ هذا هو السؤال الصعب ، والخطير فى الوقت ذاته ، وهناك من تحدث عن دور تركيا الحالى ، ودور إيران عند قراءته للمقال السابق ، ولم يتفهم ما أتحدث عنه بشكل استراتيجي ، لأننى اعرف أن تركيا اليوم مرتبطة برجل كبير ، بينما إيران مرتبطة بمؤسسات كبيرة ، وإن كان للشخص أدوار غير عادية فيها كشخص ( المرشد ) فى إيران كنموذج ، وهو أيضا يفكر فى بعض الأحيان توريث المكتب لولده ، أو لقريب منه على الأقل فكريا ، وهذه النقطة تحسب لإيران ، لأن العمل المؤسسي جعل إيران أكثر تماسكا ، ومنحها قوة البقاء مع كثرة التحديات .

أين قوة الرجلين ؟ وأين ضعفهما ؟ ولماذا ؟
تكمن قوة الرجلين فى شخصية كل واحد منهما ، وتكمن ضعفهما فى الموقع ذاته ، وهنا تكون الطامة ، والغرب اليوم لا يدرس ظاهرة بوتين ، وأردوغان ، وإنما يدرس بشكل منهجي ماذا بعدهما ؟ هل يصنعان نظاما سياسيا يبقى مع الزمن ؟ أم هما يمثلان ظاهرة سياسية عابرة ؟
حين تتأمل حياتهما السياسية ، تجد ما يلى :

أولا : إن الرجلين يملكان كاريزما غير عادية ، ولكنهما لا ينبثقان من نظام سياسي متماسك ، فالحزب الذى أسسه أردوغان مع رفقاءه يتعرض للإنشقاق بشكل مستمر ، فالكبار انسحبوا منه لأسباب سياسية مرتبطة بشخصيته الطاغية ، وعدم اهتمامه بمن يرث النظام بعده ، وهكذا يفكر ويخطط كذلك بوتين ، فقد ذكر الفيلسوف الروسي الكسندر دوغين ، والمقرّب من بوتين ، بل ويقال عنه ، إنه المنظر والعقل لسياسات بوتين بأن ذهاب بوتين ستكون كارثة لروسيا ، وسيبقى المجتمع الروسي بعد بوتين أيتاما .

ثانيا : إن كل واحد منهما ينطلق من الجغرافيا السياسية ، ويسعى لتأسيس قوة عظيمة قبل أن يرحل من السياسة ، فيخطط أردوغان صناعة عالم تركي إسلامي قوي سياسيا واقتصاديا ، ولديه طموح مع العالم الإسلامي ، ولهذا يتحرك وفق مشروع سياسي يجمع بين المبدئية والبرجماتية ، وفى بعض الأحيان فإن برجماتيته تطغى على المبادئ ، وفى بعض الأحيان تطغى المبدئية على البرجماتية ، وكذلك يفعل بوتين الذي يسعى لإقامة نظام سياسي يقوم على النظرية الرابعة ( المسيحية القيصرية ) ، وعلى التيار الأوراسية ) أي الجغرافيا السياسية ( أوربا -آسيا ) ، وفى هذه النقطة الإستراتيجية قوة الرجلين ، وضعفهما ، والسبب هو أن الفكرة ذاتية ، وليست مؤسساتية .

ثالثا : لكل واحد من بوتين وأردوغان شارع قوي مرتبط بهما شخصيا ، ولكن لا أحد منهما نجح فى صناعة الخليفة حتى الآن ، والكبار دوما لا يفكرون من يكون خلفيتهم بعكس ما صنع الخليفة أبو بكر رضي الله عنه حين جعل عمر رضي الله عنه خليفته ، وترك للأمة رأيها السياسي فى تحديد القبول أو الرفض ، فهذه النظرة العميقة تفيد للشعوب حين لم تصنع المؤسسات الرافعة ، واليوم تعيش تركيا وكذلك روسيا مرحلة وسطى ، فقد انطلقت كل واحدة منهما من مرحلة التأسيس ، ولكنها لم تصل بعد إلى مرحلة العمل الموسسي الكامل ، ولهذا تكون الحاجة ماسة إلى معرفة من سيقود السفينة بعد ذهابهما ، والذهاب سنة كونية .

رابعا : إن الشخصية الكاريزمية ، عالية المستوى ، قوية الشخصية لا ترى فى الساحة من يخلفها ، فهذا النوع من القيادة القوية ، لديها نجاح فى الحاضر ، وضعف فى المستقبل ، فالأمم فى مرحلة التكوين تحتاج إلى قيادات ذات أوزان قوية ، ولكنها كذلك ، وخاصة فى هذه المراحل بحاجة إلى رؤي سياسية تخطط فى استمرار المشاريع ، وهذا أيضا غير مرئي فى شخصيتيهما .

لقد نجح المودودي رحمه الله فى هذه النقطة ، وبهذا كان استثنائيا من بين الرجال الكبار فى داخل الحركات الإسلامية ، فقد ترك من وراءه حركة متماسكة ، وما زالت متماسكة حتى اليوم ، ولكن العظمة كانت كذلك فى قبول الخليفة ، وهو حي حيث تم اختيار السيد ( ميان محمد طفيل ) ، وترك الإمام المودودي رحمه الله رئاسة الجماعة لظروف صحية غير قاهرة ، وتفرغ للكتابة والتأليف والبحوث ، وهذه كانت لفتة مبدعة منه ، بيد أنها بقيت يتيمة فى نادي الكبار حتى هذه اللحظة .

تعانى جماعة الإخوان كنموذج مشكلة ( القيادة ) حتى اليوم ، ولهذا كتبت مرة ( الإخوان ، وفرة فى الفكرة ، وندرة فى القيادة ) ، ولديهم قوة فى ( الفكرة المركزية ) ، وضعف فى ( القيادة ) وهذا ما لاحظه الأصدقاء والأحباب ، وأولهم الدكتور عبد الله النفيسي ، وليس آخرهم الشيخ العلامة الددو ، وكل هؤلاء يتحدثون عن هذا الفراغ الفقهي والسياسي ، ولاحظه كذلك المفكر المصري الأستاذ محمد حسنين هيكل .

لقد نجح الإيرانيون ملء الفراغ السياسي بشكلٍ استراتيجي ، وهذا هو السر الذى يجعل مشروعهم يستمر ، ونحن من جانبنا نسأل ، لقد صنع بوتين دولة تتحدى الغرب ، وصنع أردوغان دولة تجيد فن الصمود فى عهد أردوغان أمام تهديدات الغرب ، ولكن هل يمكن استمرار المشروعين ؟
هنا نفهم مسألة مهمة ، إن الصين قوة تتحدى الغرب ، لأن الصينين نجحوا فى صناعة دولة تستمر ، والإيرانيون قوة إقليمية ، وتتحدى الغرب ، ولأنهم كذلك نجحوا صناعة دولة يمكن لها أن تستمر ، والسبب هو طغيان العمل المؤسساتي على العمل الشخصي ، ولكن الخوف فى تركيا وروسيا هو طغيان العمل الشخصي المرتبط بكاريزما الإنسان على العمل المؤسساتي المرتبط بالفكر والدولة .

أحببت أن يكون هذا المقال مكملا للمقال السابق ( بوتين وأردوغان ، أين يلتقيان ؟ ) ، وفى هذا المقال ، تناولنا عن شيئ واحد يجمع بينهما ، ولكنه يمثل فى الوقت ذاته القوة والضعف لديهما ، واستخدمت لفهم هذا منهج التفكيك والتركيب ، وقراءة الأنماط الشخصية بقدر المستطاع ، ومع هذا ، فأنا أعتقد بأن روسيا دولة عظيمة ، وكذلك تركيا ، ولكن المشكلة التى حاولت فهمها من خلال الرجلين هو استمرار مشروعهما ، وهذا هو الامتحان الصعب كزعيمين سياسيين ، لهما قبول فى الداخل ، وإعجاب فى الخارج ، وكل واحد منهما له طريقته وأسلوبه ، وساحته الجغرافية السياسية لأفكاره .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock