الدين و الترييةالسياسة

هَل المُريديةُ طريقة أم حَركة ؟!!

هَل المُريديةُ طريقة أم حَركة ؟!!

لقد تضاربت آراء بعض الباحثين المُريدين في كَون المُريدية مِن الطُّرق الصُّوفية المعرُوفة أو هَل هي حَركة مِن الحركات الإصلاحية والتجديدية كما يُعرف بها في السَّنوات الأخيرة، ولذلكَ نودُّ أن نكتب هَذه السُّطور المُتواضعة تَوضيحا لِهذه المَسألة المُهمةِ التي يحتاجُ إلى البحث العميق والتَّنقيب الرّصينِ اعتمادا عَلى كوادر المُريدينَ والباحثينَ وحَسب نظرنا القاصرِ.

مفهُوم المُريدية والطَّريقة

عرَّف الباحثُ الفيلوسُوف الشيخُ محمد مُصطفى جُوب الكوكيُّ مفهُوم المُريديةِ بهذا التعريفِ: “حَركةٌ صُوفيةٌ تَجديديةٌ جامِعةٌ”.

وهي أيضا طَريقة مُستقلة عَن الطريقة القادرية وليست مُمتدة منها كما يحسب البعضُ.

ونقولُ إنَّ المُريدية هِي المنهج التربوي الذي أسسه الشيخ الخديم – قدس الله سِرّه – لإحياء الشريعة المطهّرة و السُّنة المُنورة .

أو هي المَنهجُ التربويُّ لتكوين الإنسان جَسديا ورُوحيا، كما شهد بذلك شاهد من أهلها الشيخُ امباكي بوسُو – رضي الله عنه – الذي يقُول في مدح مؤسّسها:
هُو الغوثُ والمغياثُ ربَّى قلُوبنا = وأجسامَنا فالكلُّ صَافٍ وناعمُ

والمُراد بالقَلب هُنا الروحُ.

مفهومُ الطَّريقةِ

وأما مفهُوم الطَّريقة عند الصُّوفية أرباب البصيرةِ فيقُولُ الجهبذُ الكبيرُ الشيخ محمد البشير امباكي – رضي الله عنهُ -: “الطريقةُ عند الصُّوفية وهي المعبر عنها بالورد لا الطريق الشرعي المتعبد به، فذلك هو الذي خلق لأجله وجبل عليه وانتصبَ له عليه اندَرج معه تابعوهُ”.

وقال الباحث الجَليل الشيخ سرين أحمد امباكي ابن الشيخ محمد المرتضى امباكي شيخ فاط – حفظه الله ورعاه – فِي مُحاضراته تَحتَ عُنوان “الوِردُ فِي الفكر الصُّوفي الوِرد المأخوذ: نَموذجًا” في منزل سخن ميمونة امباكي رمضان (1437ه‍ 2016): “إنَّ الطريقَة المُريدية التي تعرفُ بالحَركة الاصلاحية والتجديدية هي طريقة جَامعة لِكلِّ الشتَّات المَشارب كالأوراد التي كانت تستعملُ فِي الطرق الأخرى، كما أشار إلى ذلك مؤسسها في قوله:
هَذي طريقتِي وفيها ألمعُ = طرائقَ القوم الذينَ جَمعوا

ولا نكاد نجدُ الشيخ الخديم – رضي الله عنه – يَستخدمُ الطَّريقة المُريدية في كتاباته، إلا أنهُ يستخدمُ كلمة الإرادة أو المُريد أو المُريدين أو المُتعلقين كما وقفنا عَلى ذلكَ؛ لأنه كان شخصية جامعةً متعددة الأبعاد.

وأما قوله – رضي الله عنه – في جَوابهِ على أسئلة الحاكم العام الاستعماري في مدينة سانت لويس (اندر) الذي سأله عن أساس الطريقة فأجاب قائلاً : “أسُّ الطريقة: الإيمانُ بالتوحيدِ، والإسلامُ بالفقه، والإحسَانُ بالتصوُّفِ”. [المجموعة الصغرى]

يُمكِن أن نَستلهم منهُ أنَّه يُشير إشارة قويةً إلى طريقة الصُّوفيين حسب فهمنا القاصر، وقد علَّق الشيخ محمد المرتضى فاط فال على قول الشيخ قائلا : “أي أنها طريقة الإيمان القائم عَلى توحيد الله تعالى وعبادته وحده بلا كفر ولا إشراك، وذلك يتأتى بالمعرفة الكافية بعلم التوحيد وأصوله ليكون المُريد على بَينة من أمره فيما يؤمِن، وفيمن يؤمن وكيف ولماذا يؤمن.

والإسلام بالفقه يتطلبُ معرفة بأحكام الشَّريعة والعبادات والمُعاملات والعمل بمقتضى هَذه الأحكام.

والإحسانُ بالتصوُّف هُو العمل المُخلص لوجه الله تعالى والعبادة النزيهة بأداء حَسن، ونية صادقة على هدى علم التصوف، وأصوله من التحلي بمَكارم الأخلاقِ، والتخلي عن المكاره والإرتياض بالتغلب على الأهواء والنفس والدنيا والشيطان”.

ويمكن أن نستنج بما سبق أن المُريدية طريقة سنية صوفية نشأت وترعرعت في القُطر السِّنغالي بمباركة أبي المَحامدِ، فأغلبيةُ أبناء السِّنغاليين ينتمُون إلى الطريقةِ التيجَانية، ويأتي بعد ذلك الطريقة المُريدية ثُم الطريقة القادرية.

وصفُ المُريديةِ بالطَّريقةِ

لقد وصف كثير من الباحثين المُريدينَ بالدَّعوة الخديمية بالطريقة ومنهم مؤرخ المُريدية الشيخ محمد الأمين جُوب الدَّغاني حين قالَ: “…. وفي هذه المدة تزاحم عليه الناس فوقَ العادة؛ ما بين مُتعلّق آخذ منه طريقته، وبين مُسترفد يستقضيه حوائجه، وبين أجلاء يزورونه ويهنئونه، ومن جُملتهم أعجوبة الزمان وشَاعر الأوان مُريده “الشاعر الخنذيذ الشيخ إبراهيم جُوبْ المشعري”. [الإرواء، طبعة: 2017م، ص: (153 – 154)]

ويقول نجله الشيخُ محمد البشير امباكّي – رضي الله عنه -: “فصارت طريقتُه مستقلة لا يَستندُ إلا إلى مخدُومه – صلى الله عليه وسلم – بلا واسطة سواء مما رتبه مما لم يسبق فيه أحد، واختاره له وقد سبق في وضعِه أحد بأمره إذ الطرق الصادقة كلها صَادرة عنه وراجعة إليه وهو صاحِب المقام بالإضافة الحَقيقية [3]”.

وقال أيضًا: “لا يحتاجُ إلى زيادة بيان أن تقلبا كبيرا في تجديدِ الدين وظُهور طريقة في الإصلاح عظيمة لم يتقدم لها مثال في قطرهَا يحدث دَهشة في القلُوب ورجفة في الجُهال والأحداث وهزة فِي أركانِ الرئاسَاتِ”.

ويقول الشيخ محمد البشير امباكي في موضع آخر من كتابه: “قام الشيخ الجليل أحمد اندومبي بتفقد المُريدين وإحثاثهم على مواصلة السَّير في طريق الشيخ المرسُوم لهم تربية وترقية، وهُو التعلُّم لمن تأهل له عَلى الشيخ إبراهيم، والخِدمة والارتياض عليه أيضا، والزيارة والاستفادة منه، والقيام بالمَصالح، فهو من أكابر المتصدرين المقيمين مع العيال عند النائب المفخم، وسدّدوا السُّلوك وجدَّدُوا الطريقة، وقام بالمسجد الشيخ إبراهيم كقيام مُستخلفه، فبهذا استقام السَّير على ما خطه شيخنا، وتجدَّدت الطريقة وكثر المُريدونَ”.

قال الشيخ محمد البشير امباكي:
فالتَزمنْ طريقةَ العبد الخديمْ = من خصَّهُ بإرثِها الربُّ القَديمْ

ومنهُم نَجل المؤسّسُ الشيخ محمد الفاضل امباكّي – رضي الله عنه – في الخُطبة التي أبرزها في اليوم المشهُود بحضر الجمع المحشود ثامن عشر صفر الخير عام 1371 هجرية: “… فاعلمُوا أن طريقة المُريدين هي الطريقة السَنِيَّة التي كان عليها من أخلصُوا دينهم لله تعالى من ظُهور الإسلام إلى يومنا هذا. وحاصِلها الإقبال على الله تبارك وتعالى بالكلية، والإغضاء عن غيره بالإعراض عن كل ما يؤول إلى هَذه الدنيا الدنية …”.

بمرقَم الأخ الباحث سَرين امباكي جوب خضر الطوباوي خريج معهد الدروس الإسلامية ومدرس اللغة العربية فِي معهد الخليل الإسلامي وفتح المنان بطوبى دار القدوس

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock