السياسةالعمل والمستجدات

الصراع فى إثيوبيا ، إلى أين ؟ وماذا بعد ؟ عبد الرحمن بشير

الصراع فى إثيوبيا ، إلى أين ؟ وماذا بعد ؟ عبد الرحمن بشير
…………………………………………………………. ……………………. ………………………………………
فى البداية ، يجب أن نتحدث عن خريطة الصراع فى هذا البلد المحوري فى القرن الأفريقي ، بل وفى القارة الأفريقية ، ويستمد أهميته من الموقع ، ومن التاريخ ، ومن تحالفاته التاريخية مع الغرب ، وهذا أمر لا يحتاج إلى مناقشة جديدة ، ولكن الجديد فى هذا الصراع يكمن فى خريطة الصراع ، هناك ثابت ومتغير فى الصراع ، ويجب ملاحظة ذلك ، فالثابت فى الصراع هو أن المعركة الحقيقية فى الأرض بين قوميتين لديهما أطماع سياسية فى الحكم والثروة ، وهما القومية التغرانية التى حكمت البلاد ثلاثة عقود متتالية بلا منافس سياسي إلا قليلا ، والقومية الأمهرية التى ساد حكمها أكثر من قرن فى الآونة الأخيرة ، فهذا النوع من الصراع يأخذ أحيانا شكلا صريحا ، بينما ينحى فى بعض الأحيان شكلا مضمرا ، ولكن هناك من الداخل متغيرات سياسية جديدة ، ومنها دخول قوميات لها ثقل سياسي ووبولاد بشرية كالقومية الأورومية التى تريد وبقوة أن تحكم إثيوبيا ، لأنها تمثل الأغلبية العددية ، وقد ظهر فى الآونة الأخيرة قوة القومية العفرية ، والتى حاربت إلى جانب الحكومة لتأمين الطرق المؤدية إلى جيبوتى ، والتى تمثل شريان الحياة لإثيوبيا ، وهذه أيضا من المتغيرات السياسية فى الصراع الإثيوبي – الإثيوبي .

لدينا خريطة سياسية خطيرة وراء المعركة ، والتى يجب تجليتها لفهم المعركة الحقيقية فى إثيوبيا ، هناك صراع دولي ، وإقليمي على أراضي الحبشة ، وصراع داخلي ، فكل هذه الأنواع من الصراعات متداخلة ، ومعقدة ، وليس من السهولة معرفة مآلات الصراع فى المستقبل القريب ، ولهذا فلا بد من قراءة الوضع السياسي والعسكري بصورة متأنية ، ذلك لأن الصراع فى ظاهره محلي ، وفى عمقه إقليمي ، ودولي .

ما هي القوى المتصارعة فى إثيوبيا ؟ ولماذا ؟
………………………………………………. …………
إن الجناحين الأساسيين فى إثيوبيا هما ، القومية التغرانية ، والتى تقودها جبهة تحرير تيغراي التى حكمت أثيوبيا بالحديد والنار فى عقود ثلاثة ، والحكومة التى يقودها رئيس الوزراء الدكتور أحمد آبي ، وهو رجل لديه توجهات ليبرالية فى الإقتصاد ، ونظام شمولي فى السياسة متأثرا بالنظام الصيني ، والنظام الصيني الذى يجمع بين النظام الليبرالي فى الاقتصاد ، والنظام الشمولي فى السياسة له بريق عند الساسة فى القارة الأفريقية ، ويتساءلون ، كيف نجحت الصين فى الجمع بين الشمولية السياسية ، والليبرالية الاقتصادية ، وهو أمر لا يبشر به الغرب ، ولكن فى الجناح الذى يقوده رئيس الوزراء تيارات سياسية متناقضة ، فهناك القومية الأمهرية التى حكمت إثيوبيا أكثر من قرن ونصف ، واستطاعت التغلغل فى الخريطة الإثيوبية بشكل كبير ، ولديها حضور مكثف فى الإدارة ، وما زالت تمثل الدولة العميقة فى بعض الجوانب ، أولًا على الأقل الدولة الموازية ، وما زالت تملك الخبرة فى التعامل مع ملفات الدولة ، ولهذا تمثل الذهنية السياسية للدولة ، وهناك كذلك القومية الكبيرة المنشطرة سياسيا حيث يقف بعض الرموز السياسيين الكبار مع الحكومة التى يقودها رئيس الوزراء ، كما يقف بعض رجالات القومية مع التغيير السياسي ، ويتقاطعون سياسيا مع جبهة تحرير تيغراي ، ولهذا نجد أن الجناحين الأساسيين فى الصراع يتمثل بالقومية التغرانية ومعها بعض الرموز من القومية الأورومية ، ذات الأغلبية السكانية ، والحكومة ، ومعها القومية الأمهرية ، وبعض رجالات القومية الأورومية .

هناك أجنحة مساعدة ، وليست أساسية فى الصراع ، وتتمثل فى القوميات ذات الأوزان الإسلامية ، ولكنها لا تمثل اليوم فى الصراع ثقلا سياسيا ، لدينا القومية الصومالية ، وعندها بعض القوى والفرص ، ولكنها لا تملك استخدام تلك القوى والفرص لسببين ، وهما ، التشتت السياسي ، وغياب الأهداف الإستراتيجية ، لم يفهم الشعب الصومالي تلك الفرص حتى هذه اللحظة ، وقد طرح رئيس إقليم الصومال الدكتور مصطفى عچجر فى مرة سابقة إستراتيجية مفادها ، أن يخطط الصوماليون لاختيار هدفين أساسيين ، أحدهما الانفصال من إثيوبيا ، وثانيهما العيش تحت العلم الإثيوبي ، وكل خيار يتطلب استراتيجية معينة ، ومع هذا لم يفهم هذا الشعب المشتت سياسيا ، والذى لا يملك هدفا استراتيجيا فى هذه المرحلة مغزى كلامه ، وهناك القومية العفرية ذات الأغلبية المسلمة ، وهي تملك جغرافيا مهمة ، وعندها وحدة شعورية ، وتملك اليوم إرادة قوية ، ولكنها تعيش فى منطقة بينية ، وتواجه مشكلات متعلقة بالجغرافيا السياسية ، ومع ذلك ، فهي فى الغالب اصطفت مع الحكومة ، وكانت من الأسباب المهمة فى إفشال سياسة جبهة تحرير تيغراي .

هناك أيضا قومية بنى شنغول ، وهي تقطن فى جغرافيا سياسية مهمة ، وقد يتم استخدام قضيتها من خلال دولة مصر والسودان ، وهناك أنباء مهمة بأن الجيش المصري استخدم تلك المناطق لإيصال بعض المعدات العسكرية لجبهة تحرير تيغراي ، وكل ذلك قد يؤدى إلى مشكلات بنيوية فى المنطقة مستقبلا .

التململ السياسي ، والتذبذب العسكري ، من وراء ذلك ؟
…………………………………………………. ……………………
قبل أسابيع ، اقتربت جبهة تحرير تيغراي العاصمة ، وأعلنت دول عدة بأن اجتياح العاصمة مسألة وقت فقط ، ومنحت تلك الدول بعض رعاياها البطاقة الخضراء للخروج من العاصمة ، والتوجه إلى بلدانهم ، ومن هذه الدول الولايات المتحدة ، والدول الأوربية ، وتركيا ، وقطر ، والسعودية وغيرها من الدول ، ولكن ما الذى غير المعادلة ؟ ولماذا انهزمت الجبهة أمام الجيش الذى بدأ يتفكك ؟ ومن أين جاء المدد ؟

هناك قراءات ثلاثة لهذا التراجع من قبل الجبهة وحلفاءها ، وهذه القراءات تحاول تفسير التراجع السريع ، وكان الناس يبحثون سابقا ، سر الانتصارات السريعة ، فالسؤال الآن يعود ليطرح ، ما السر فى ذلك ؟
قلت سابقا ، إن الجبهة تخوض معركة الوجود ، ومن يخوض معركة الوجود يفكر بعقلية ، أنتصر أو أموت ، ولكن الجيش النظامي يخوض معركة سياسية بعقلية مهنية ، وليس بعقلية جبهوية ، وربما كانت هذه من الأسباب التى أدت إلى نجاح الجبهة سابقا ، ولكن ما الذى جعلها تتراجع بشكل سريع فى غضون أسابيع ؟

أولا : قلت ، هناك قراءات ثلاثة ، فالأولى داخلية ومهمة جدا ، وهي تكمن فى حرب الجبهة الخاوى من الاستراتيجية ، ماذا تريد الجبهة من المعركة ؟ هل تريد أن تنتصر لتحكم إثيوبيا ؟ هذا غير ممكن لسبب واحد ، أن الشعب فى إثيوبيا غير مستعد لحكم الجبهة مرة أخرى ، وأن جميع القوميات مستاءة منها ، ومن سياساتها .
هل تريد الجبهة ( تحرير تيغراي ) تحسين وضعيتها الاستراتيجية ؟ هل من سياساتها رفع مكانتها السياسية والعسكرية حتى تجلس فى طاولة المفاوضات وهي قوية ؟ لو كان الأمر كذلك ، لما تمددت بشكل كبير فى الخريطة الإثيوبية ، وقد حاربت كل الجبهات ، فى إقليم العفر ، والأمهرا ، ومناطق تابعة للإقليم الأورومي ، فهذه المعارك العبثية تجعلها متشتتة ، ومنهارة ، ومتعبة ، ومن هنا ، خاضت الجبهة تلك المعارك بروح انتقامية ، بعيدا عن العقلية الاستراتيجية.

ثانيا : لقد تم ملاحظة دخول قوى إقليمية ذات ثقل سياسي ، وعسكري ، ومالي فى الصراع ، فقد حضرت تركيا من خلال طائراتها بدون طيار ، تلك القوة العاتية المدمرة ، والتى سجلت فى السنوات الأخيرة حضورا استثنائيا فى المعارك ، فقد حسمت تلك الطائرات معارك ليبيا لصالح الدولة ضد خفتر المتمرد ، ونجحت كذلك فى معارك أذربيجان ضد الأرمن ، بل وأعلنت بعض الجهات بأن تركيا أصبحت الأولى فى هذا المجال ، ولهذا تشير بعض التقارير العسكرية بأن الطائرات التركية كانت سببا رئيسيا وراء الحسم العسكري ، وتم ملاحظة مهمة سياسيا إبان المعركة ، وهي تسجيل زيارة رسمية لرئيس وزراء إثيوبيا فى تركيا ، وتقرر من تلك الزيارة عقد تجديد العلاقات الاستراتيجية بين تركيا والحبشة ، ومن الملاحظ كذلك وجود طائرات بدون طيار تابعة للإمارات ، فهذا الحضور الإقليمي عزّز مكانة الجيش الإثيوبي ، ومنح القوات الإثيوبية دعما لوجستيا مهما جعل حسم المعركة لصالح الحكومة .

ثالثا : فى الصراع الإثيوبي مصالح كونية ، وهناك معركة غير مرئية بين الصين وأمريكا ، فالصين بكل ما تملك من ثقل مع الحكومة ، وتمنح الحكومة الدعم المادي والمعنوي ، ولا تريد الصين أن تسقط الدولة فى إثيوبيًا مربع الفشل ، لأنها استثمرت فى هذه الدولة المهمة ، ولديها خطة ( طريق الحرير ) حيث تمثل إثيوبيا فى هذه الخطة العمود الفقري ، وتحاول أمريكا إعادة إثيوبيا إلى بيت الطاعة ، لأنها تمثل فى السياسة الأمريكية دولة محورية ومهمة للغرب ، ولكن المتغيرات السياسية جعلت إثيوبيا منذ زمن ملس زيناوي تتجه نحو الصين لأسباب سياسية ومالية ، لا يمكن الحديث هنا ، ولنا عودة فى هذا ، فى مقال خاص .

إن الصين تملك أدوات كثيرة فى هذه المرحلة ، وخاصة فى زمن بعد كورونا حيث يواجه الاقتصاد الأمريكي مشاكل جمة ، بينما يمرّ الاقتصاد الصيني بمعافاة جيدة ، ولهذا تحاول الصين ضخ المليارات من الدولار الأمريكي فى أفريقيا ، وخاصة فى القرن الأفريقي الذى بدأ يتجه نحو الصين ، فأكبر قاعدة عسكرية للصين فى العالم موجودة فى جيبوتى ، تلك الدولة الصغيرة المجاورة لإثيوبيا ، وبدأ الصينيون يقيمون علاقات شبه أستراتيجية مع إريتريا ، ولم يبق للولايات المتحدة إلا إثيوبيا ، لأن الصومال صارت من نصيب تركيا ، ولهذا دخل الصينيون المعركة بقوة ، وحسموا لصالح الحكومة ضد الجبهة التى تعتبر حليفا غربيا كما يبدو من الإعلام الغربي ، ولا يمكن أن نغفل الدور الأساسي لدولة إريتريا ، ولكنه ليس حاسما لآسباب خاصة بالدولة الإريترية .

إن الصراع فى حقيقته ليس صراع مصالح ، بل هو صراع هويات ، والصراعات السياسية المبنية على الهوية لا تنتهى بسهولة ، ربما ، تنتصر الحكومة كما يبدو من تراجع الجبهة ، وربما تعود الجبهة من جديد لدخول عناصر جديدة فى الصراع ، ولكن المؤكد هو أن لا منتصر انتصارا أبديا فى هذا الصراع فى المستقبل القريب .

إن كل حرب مهما طالت زمنها لها نهاية ، ونهايتها تكون فى انتصار أحد طرفي الصراع ، وهزيمة الطرف الآخر ، أو عدم الانتصار وقبول التفاوض ، وقد يستسلم طرف بعد أن يستيقن بأن الصراع ليس لصالحه لأجل تكتيك سياسي ، ولهذا فهذه الحرب ستضع أوزارها عما قريب بيد أن نتائجها كارثية ، ولن تكون الدولة الإثيوبية كما كانت ، لأنها فقدت ركنا أساسيًا فى العيش المشترك ( الثقة المتبادلة ) ، ومن هنا يتحدث بعض الخبراء فى الغرب أن إثيوبيا فى طريقها إلى ثلاثة سيناريوهات ، إما إلى التفكك ( الطريقة اليوغسلافية) ، وإما أن تعيش دولة فاشلة وضعيفة على طريقة ( ليبيا ) ، وإما أن تذهب إلى الكونفيدرالية ، وكل ذلك يجعل إثيوبيا القديمة خبر كان .

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock