الثقافةالدين و الترييةالسياسةالعمل والمستجدات

في ذكرى رحيل الشيخ صالح : عَبَراتٌ لا تَرْقَأُ !!

في ذكرى رحيل الشيخ صالح : عَبَراتٌ لا تَرْقَأُ !!
بقلم المفتش: عبد الأحد لوح.
ظلت رسالة التربية والتنمية عزيزة الجانب، رفيعة الشأن تنبض بالحياة، وتتدفق بالحيوية طيلة حياة هذا الرجل الرباني.
لم يكن الشيخ ” الصالح” يقر بأن الحرب التي يخوض غمارها يجب أن تضع أوزارها ما لم يَلْفَظْ أنفاسه الأخيرة. ويُخَيَّل للمرء أن هذا الأسد الِمغْوار كان مُستيْقِنا بأنه سيَلقى ربه – يوم يلقاه – شهيدا في حلَبة الجهاد، وسلاحه بيده؛ لأن القضايا التي نذر حياته للدفاع عنها قضايا سرمدية لا تتناهى آمادُها.
كان يجوب أقطار وطنه السنغال، يُشَرِّق مرة، ويُغرِّب أخرى؛ بحثا عن روح جاهلة يهديها إلى الحق وإلى طريق مستقيم.
كان أحب شيء إلى نفسه أن يبني مركزا للتربية والإرشاد، أو يَعْمُرَ مسجدا، أو يُحْسن إلى المؤمنين من أهل وُد أبيه. وكان أبْغَضَ شيء إليه الإخلادُ إلى الدعة والراحة، والقعودُ عن الكدحِ والعملِ والتضحيةِ لمصلحة البلاد والعباد.
أجَلْ! كانت هذه النفس المطمئنة طامحة إلى تلك الدرجات العُلى من منازل الأبرار المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
كأني بالشيخ صالح يقول في نفسه- وهو يُنجز مشروعا إثر مشروع- : لأتَغَلَّبَنَّ على ظروف الحَر والقَر، وعلى عقبات الشيخوخة والأسقام، ولأُبلين بلاء حسنا في معركة الحفاظ على التراث الخديمي وتطويره، يُبَيِّضُ الله به وجهي يوم أَلْقَى الخديم الأسْنَى. ولن أُلقي عصا المبادرة والإنجاز مالم أَظْفَرْ بإحدى الحُسْنَيَيْن، بل بالحُسْنَيَيْن معا.
كان حريصا على حماية الشخصية المسلمة، فأدرك أنها عقل وجسد وروح؛ فوفَّر العلم النافع للعقول، وفرصة العمل الشريف والعبادة للجسد، وحرارة الإيمان للروح، وكل ذلك من خلال مراكزه التربوية ومشاريعه التنموية القائمة على الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.
آه على فقيد المعرفة والهمة ! وشهيد التربية والخدمة. فالعين تدمع والقلب يحزن:
آه على فقد سادات طريقتهم طريقة المصطفى خير البريات
نعم! هاهنا تسكب العَبَرات، عَبَرات الوَجْد والوفاء تحسرا على رحيل السيد الهُمام:
حُقّ البكاء على سادات أموات تبكي الأراضي عليهم كالسموات
لِمن تترك هذه الأمة اليتيمة أيها القائد الملهَم؟ هذه الأمة التي تذكرت بكارثة وفاتك نَكبة “ومسش” فَغدتْ فريسة للفراغ الروحي والحيْرة والتوجّس؛ خيفة من المستقبل الرهيب، وبحثا عن يد حانية تمسح الدموع التي تترقْرَق في مَآقِيها :
تبكي الحنيفِيَّة البيضاء من أَسَفٍ كما بكى لفراق الإلْفِ هَيْمانُ
كيف يتسنى لهذه الأمة المسكينة أن ينسى الضربة القاضية، وتخطُوَ خطوة في درب لم تكن أنت رائدَها فيه؟
مَن ذا الذي يترشح بعدك لتخليد شعارات التنمية الشاملة المتوازنة التي طالما رفعْتَ لواءها؛ لتُصلِح بها حياة الفرد والجماعة على حد سواء؟ مَن سيتولى الكفالة الروحية والمادية لهذه الجماهير من المؤمنين الذين ظلوا يغتبطون بمُعاصرتك بعد أن فاتتهم فرصة معايشة والدك العبد الخديم؟ وكنتَ آخر سَهْم في كِنانة النُّخبة المصطفاة من إخوتك، يُعِدك المسلمون للمُلِمّات، فغلبهم عليك القدَر المحتوم، يا لَهول المصيبة! و يا لوقْع الكارثة ! :
لمثل هذا يذوب القلب من كمَدٍ إن كان في القلب إسلام وإيمان
وماذا عن يَتاماك في ” خلكوم” هذا الصرح التربوي العملاق الذي أقمتَ بنيانه على تقوى من الله ورضوان، فجعلته للناس سواء العاكف فيه والبادي؟
مَن عسى أن يُكَفْكِف عَبَراتهم، ويُعيد السكينة والأمل إلى قلوبهم بعد أن فقدوا برحيلك دِفْء الوالديَّة الروحية الحنون؟ لقد كنتَ لهم سنَدا قويا، توفر لهم الغذاء والكساء والدواء، والمدَد الروحي الفيَّاض، والتحصين الثقافي المنيع في مراكز تربوية مرموقة أفحمْتَ بها أدْعِياءَ تطوير المدارس القرآنية!
وأبناؤك المسلمون من قيادات الطوائف الدينية، مَن سيُجسد في نظرهم المُثُل الإسلامية العليا من السماحة والتضامن والانفتاح والدبلوماسية الحكيمة التي تُؤْثر العمل والصمت على ترويج الشعارات والتصريحات؟
ورجال الدين من سيُترجم لهم عمليا كيف يكون الحياد الإيجابي من السياسة ومنعطفاتها ووديانها؟ وهل سيَحفظون درسك الوجيز والبليغ في وجوب التمسك بالمبادئ ، والمرونة في التعامل مع الوسائل، حين ألقيْتَ عبارتك الشهيرة: ” كل قضية خارجة عن الإسلام فليس لي بها هم” ؟ ولم يحُلْ هذا المبدأ النبيل بينك وبين الانفتاح على المواطنين من كل الطبقات والتيارات، تستقبلهم جميعا بالبشر والترحاب والإكرام باعتبارهم جميعا من عيالك!
ورجال الحكم والسياسة، من أي نموذج حي سيتذوقون نكهة دروس مثمرة في الحكم الرشيد والإدارة الفعالة لموارد الأمة وحسن التعامل مع الشخصيات الممتازة؟
كل أولئك وغيرهم استلهموا سيرتك ومسيرتك، وفَقِهوا مغزى إشاراتك البليغة، ومن أجل ذلك غارت دموعهم، وحارت أفئدتهم، فباتوا لا يملكون إلا أن يُرددوا جميعا بلسان الحال وبلسان المقال: ” إنا لله وإنا إليه راجعون” :
كذا فليَجِلَّ الخطب وليَفدح الأمرُ فليس لعين لم يَفِضْ ماؤها عذر
سلام عليك أيها المجاهد العظيم، وشآبيب الرحمة والرضوان على روحك الطاهرة في روضات الجنات، مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين…

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock