السياسةالعمل والمستجدات

وأوحى لي العشرون (١)

وأوحى لي العشرون (١)

{فيما يخصُّ شخوصَك العِشرين
دع منها المُفاجئ يطرد المتوقَّعا}
محمد عبد الباري

إن مما أوحى به العشرون، أن الناس -في مجالسِهم- غالبا ما يتفوّهُون بما لا يفعلون، والخاسرُ من يبني أهدافَهُ، ومستقبلَهُ على ذلك، ففي الثانوية -مثلا-، يكثر في حديث زملاء الفصل الواحد ذكرُ ما بعد الباكالوريا، فيقول أحدُهم: (أنا سأتوقف عن الدراسة بعد تخرجي، وألتحق بركب التجار، فلقد اكتفيت من الدراسة، وحسبي هذه السنوات الكثيرة التي أنفقتها منتقلا من مقعد لآخر، ومبعثرا بين الأقلام والدفاتر)، ويقول الثاني: (أما أنا فسأواصل دراستي، لكن شرط أن أحصل على منحة دراسية خارج البلد، وإلا جدتُ لِي عملا، وتركت المقاعد)، ويقول الثالث: (لن أدرس في دولة “كذا…”، وإن لم يبق أمامي غير منحِها الدراسية بقيتُ في البلد)، وهكذا دواليك…، لكنك تُفاجأ بعد فترة من تخرجك معهم، أن ذلك الذي قال: (سأتوقف…)، كان أول الملتحقين بالجامعات لمواصلة دراسته، وأن ذاك الثاني أصبح يختلف إلى جامعة من جامعات البلد باذلا جهده الجهيد فيها، بعدما اعتبرها مضيعة للوقت، وأن هذا الثالث الأخير، قد سافر إلى تلك الدولة التي فضل ترك الدراسة عليها، وربما إلى دولة دونها في المعايير التي وضعها في قريرة نفسه، أرأيت!!!

وقد ينصحك أحدهم -أيها الخريج الجديد- بالمشاركة في امتحانات تعيين المدرسين (CREM)، كونها تُلخص لك مشوارك، فأنت -في زعمه- مهما اكتسبت من شهادات، فلن تكون في النهاية إلا مدرسا في المدارس الحكومية، أو إماما في مسجد الحي، أو…، فإن كان الحال هكذا، لم لا تبدأ من الآن؟! فإن تلك السنوات الأربع التي تريد إنفاقها في الجامعات للحصول على البكالوريوس يمكنك الترقي خلالها في وظيفتك هذه لو امتهنتَها! لكنك -عزيزي- ستجد إن أمعنت جيدا أن هذا المتحدث إليك، ربما لو استقبل من أمره ما استدبر لارتمى بكل مُكنته إلى الجامعات، لكنما قد عاقه عن ذلك عمرُه الذي لا تقبله الجامعات، أو شهاداته التي دون التقادير المطلوبة، أو …

أما في الحياة خارج المدرسة، فتجد -مثلا- من يحثك على الزواج، ذاكرا لك فلانا ذا العشرين عاما الذي تزوج قبل شهرين، أو يقول لك: إن فلانا -وهو تِربك- قد أصبح أبا وذا مسؤولية، فلم لا تفعل مثله؟! والغريب أن هذا الذي يحثك، قد يكون -أحيانا- يكبُرك بسنوات وهو لم يسبق له أن خطب، لكنه يراك تربة خصبة لنصائحه وتوصياته!!!

ويستميلك الثاني إلى ترك دراستك -وأنت المهووس بها-، والارتماءِ إلى عالم “البزنس” كونَ فلان ابن فلان قد أصبح يقود سيارة من طراز (الفورد) أو (الرانج..)، ويمتلك كيْتَ وكيْتَ، وأنت…؟! وإن دققت -أخي الكريم- في حياة هذا الناصح “الأمين” -أحيانا- وجدتها مقسّمة إلى السمر ليلا في مجالس الشاي، والنوم نهارا، ولعب الكرة مساء!

نعم! استنصح ذوي الألباب، وابنِ على تجارب الآخرين شأنك، فلا (ندم من استشار)، وإن في وسع من (سبقك إلى حجرة مظلمة، أن يدلك على المكان الأمثل للجلوس) كما يقول الولوف، لكن الطامة التي ينبغي تجنّبُها، هي أن تأخذ من كل من هبَّ ودبَّ نُصحا تبني به مستقبلك، أو أن تُذيب ذاتك وشخصيتك في آراء الآخرين، فإن ما يصلح ويفيد في أمر (سَمْبَ) قد لا يكون كذلك في أمر (دِمْبَ)، والصحيح في حقهما قد يكون فاسدا أيما فساد في حقك، فاستنصح -يا صديقي- من سبقك في التجربة، ثم لتنظر إلى تلكم الآراء والنصائح بنظرتك الخاصة، بناء على حالتك النفسية التي تعلمها أكثر من الناصح، والمواهب التي تتمتع بها، والتي تُمكنك من فعل كذا وكذا مما قد لا يكون في استطاعته، والشخصيةِ التي تود أن تكونها في ما تستقبل من عمرك، والمستقبلِ الذي تود أن تبنيَه لك، لأنه (مهما كان علمُ سَمْبَ بأمر دِمْبَ دقيقا، فإن دِمْبَ بأمر نفسه أبصر وأدرى!)

الحاج محمد بوصو 28/12/2021م
الكويت / الشويخ
———————

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock