الدين و الترييةالسياسةالعمل والمستجدات

كيف يصنع الألم الأمل . سؤال التغيير عند الجيل الحالي .عبد الرحمن بشير

كيف يصنع الألم الأمل . سؤال التغيير عند الجيل الحالي .عبد الرحمن بشير
……………………………………. ………. ……………………………………
كيف نقرأ التاريخ ؟ وكيف يمكن لنا تفسير التاريخ ؟ لماذا تنتصر أمة ما فى لحظة ما ؟ ولماذا تنهزم الأمة فى لحظة أخرى ؟ لماذا التخلف ؟ ولماذا التقدم ؟ ما سبب النهضة ؟ أين السر فى ذلك ؟ هذه الأسئلة تقف وراء الألم ، وتكشف لنا مدى حضور تلك الأسئلة فى كل المنتديات فى العالم الإسلامي وخاصة عند الجيل المعاصر ، بل وكذلك فى العالم الثالث ، لدينا ألم مسكون فى داخل كل واحد منا ، ولكن هناك من يعبر الألم بقصيدة شعرية ، ومن يعبره بقصة أدبية ، وهناك من يبحث السر فى الذات الحضارية للأمة ، ومن يبحث السر عند الآخرين .

لدينا مئات من الكتب تناولت قضية النهضة فى اليابان ، وقضية التراجع فى مصر ، ونحن بصدد ذلك ، ظهرت تجربة ( سنغافورا ) الإستثنائية ، ومن هنا عادت الأسئلة ، لماذا نهضت سنغافورا ؟ ولم تنهض مصر العربية نموذجا ؟ هل ثمة أسرار وراء تلك الألغاز ؟ فى هذه اللحظات ، ظهرت تجربة تركيا الثرية ، وعادت الأسئلة من جديد ، من وراء النهضة فى تركيا ؟ ولماذا ؟ وأين السر ؟

قرأت كتبا عدة ، ومقالات متنوعة حول إمكانية النهضة لدولة ما ، ولكنى رأيت أن وراء ذلك أسرار كبيرة بحاجة إلى فهم ، ومن قبل ذلك إلى تقديم دراسات وأطروحات حول ما النهضة التى نريدها لأمتنا ؟ هل نريد استنساخ تجربة اليابان ، وقد كانت أكثر من عقود ملهمة للشعوب الناهضة ، وتناولت أقلام عدة بأن اليابانيين أخذوا من الغرب العلوم ، وتركوا الفلسفة الغربية ، والآداب الأوربية ، ولم يصنعوا كما صنعنا ، وهذا لم يكن صحيحا ، ولم يكن الذين نقلوا لنا التجربة اليابانية صادقين فى النقل ، فاليابان تعيش اليوم تجربة غربية ، ولكنها لقّحت شيئا من ثقافتها ، فهي دولة غربية الهوى ، شرقية الموقع ، أما التجربة السنغافورية فهي تجربة لا تليق بالدول العظمى كمصر ، قد تكون مفيدة لدولة صغيرة كالإمارات تحاول تسويق ذاتها فى العالم كموقع سياحي .

إن الألم الذى يعيش فى كل إنسان مسلم هو الشعور بالدونية أمام الآخر ، لأن الآخر حقق نوعا من الاستقرار السياسي ، والتقدم المادي ، والنهضة العمرانية المنطلقة من الذات الحضارية ، والعمران المادي فى هذه اللحظة التى يمكن وصفها باللحظة الغربية ، ويشعر المسلم كذلك بأن لديه إمكانيات ، وعنده دين ورسالة ، ولكنه ما زال الألم الحضاري يعتصر منه فى الداخل ، لماذا نحن متخلفون ؟ ولماذا الآخر متقدم علينا ؟ وهذا السؤال المحوري طرحه قبل قرن وأكثر الأستاذ شكيب أرسلان فى كتاب له ( لماذا تأخر المسلمون ، وتقدم غيرهم ؟ ) ، فقد انتقل السؤال من عالم التساؤلات ، وصار إشكالية عميقة فى الذات الحضارية للأمة ، وأرى أن يكون السؤال كالتالي ، من وراء التخلف ؟ فالتخلف ظاهرة حضارية ، وكذلك التقدم ، ولكن هناك عالم آخر ، وهو عالم ما ورائيات ، ومشكلاتنا تسكن هناك ، وليس فى عالم التخلف والتقدم كظواهر حضارية .

لدينا أسباب جوهرية ترفض النهضة فى عالمنا الإسلامي ، وهي مكونة من تركيبية معقدة ، وتأتى من الداخل والخارج معا ، لأن حصوننا مهددة من الداخل ، والخارج يستفيد من تلك الحصون المهددة من الداخل ، والقرآن علّم الأمة هذا المنهج بعد هزيمة ( أحد ) فى قوله تعالى ( قل هو من عند أنفسكم ) فالمشكلات الأساسية للأمة نابعة من الداخل ، وأهمها ( الاستبداد السياسي ) والذى يتغذى فى ( الجهالة والأمية ) ، ويرسّخ ذلك من خلال ( التجهيل ) فهذه الحالة مرسّخة فى تاريخ الأمة ، لأن الاستبداد مشروع سياسي ، وهذا المشروع السياسي لديه هدف عام ، وهو تمديد الحكم للحاكم وعائلته ، والحكم عنده مسألة لها الأولوية ، وليست وسيلة لخدمة الأمة .

الاستبداد السياسي يستفيد من الجهالة العامة ، والأمية الحضارية ، ومن خلالها يستفيد من الخطاب الديني التبسيطي الذى يعمل فى صناعة التدين الشكلي ، والعاطفي ، والمبني على التهويل لأمور بسيطة جدا ، وتهوين الأمور المهمة ، فرجل الدين يعمل فى ترسيخ الاستبداد من خلال نشر الوعي العاطفي البعيد عن طرح الأسئلة الخطيرة ، والمهمة فى هذه اللحظة ، لحظة التخلف .

لقد تناول المفكر الجزائري الكبير مالك بن نبي رحمه الله فى هذا الموضوع ، ورأى أن الأمة فقدت الفاعلية منذ زمن بعيد ، وكان ذلك حين انتقل الحكم من ( المدينة ) إلى ( دمشق ) ، والانتقال هنا لم يكن مكانيا فقط ، بل كان ثقافيا وسياسيا ، فالحكم انتقل من البيعة الرضائية ( مرحلة المدينة ) إلى البيعة الإكراهية ( مرحلة دمشق ) ، فالبيعة كشكل بقيت ، ولكنها كجوهر ماتت ، وتقدم الغرب حين انتقل من مرحلة ( تقديس الحاكم ) إلى مرحلة ( التعاقد السياسي ) بين الحاكم والمحكوم ، فالمشكلة تكمن هناك ، فى الاستبداد السياسي ، وليس فى المنهج ، ولا فى الشعوب .

إن الغرب لا يسمح كما هو معلوم من التاريخ نهضة حقيقية للأمة ، والسبب هو أن الأمة لديها البديل الحضاري ، والموقع الاستراتيجي ، وقديما قال حكماء بريطانيا بأن من يملك البحر الأبيض المتوسط ، والبحر الأحمر ، والبحر الأسود يقود حضارة العالم ، ولهذا يرفضون أن تعود الحضارة إلى هذه المنطقة مرة أخرى .

المسلمون يملكون ثلاثة مفاتيح لقيادة العالم ، الرسالة والمنهج ، الموقع والثروات ، والقوة البشرية المهولة القابلة للازدياد بشكل مطرد ، ولهذا فالآخر يخاف من تلك الأمة التى تعيش الآن فى مرحلة مخاض ، وتساؤلات ، لماذا التخلف ؟

أين المخرج ؟
……………
هذا السؤال خطير ، لأنه يبحث عن الحل ، والحل ليس سهلا ، ولكنه ليس مستحيلا كذلك ، بل هو صعب جدا ، ذلك لأن المشكلة مركبة ، ولها بعدان ، وكل بعد منهما يستفيد من البعد الآخر ، فالبعد الداخلي وهو الاستبداد السياسي يستفيد من التدخل الخارجي ، والمكر العالمي الذى يحاول إبقاء الأمة فى مربع التخلف ، والمكر العالمي يغذى الاستبداد السياسي الذى يؤخر الأمة عن النهضة ، فكل واحد منهما يستغل من الآخر لترسيخ التخلف فى العالم الإسلامي ، وما يتحقق من نهضات فى بعض الأحيان من بعض البلدان كتجربة ( دبي ) ، فما هو إلا استنساخ لبعض التجارب التى تؤكد التبعية ، وليست النهضة بحال من الأحوال .

إن بعض القوى فى الغرب تحارب اليوم تركيا ، لأن الأتراك عرفوا شيئا من السر ، وهو أن النهضة الحقيقية يجب أن تقوم على قاعدتين مهمتين ، على قاعدة الاستقلال السياسي من الخارج ، وعلى قاعدة ترسيخ الحريات فى الداخل ، وعليهما فقط تقوم النهضات القوية ، وبعد أن نجحت تركيا شيئا من ذلك ، وعلم الغرب أن القوم تحركوا نحو النهضة الحقيقية تنادوا مصبحين فى إخماد شعلة النهضة الحقيقية فى العالم الإسلامي .

ذكر المفكر الأمريكي هانتغتون بأن وراء كل حضارة دين ، ووراء كل دين دولة مركزية ، فروسيا تمثل الحضارة الأرثوذكسية ، وأمريكا تمثل الحضارة البروتستانتية ، وفرنسا وإيطاليا وألمانيا تمثل الحضارة الكاثوليكية ، والصين تمثل الحضارة الكونفوشيوسية ، والمسلمون لا يملكون دولة تمثل اليوم حضارتهم ، ولكن بعد ظهور مقالاته وكتابه ( صدام الحضارات ) ظهرت تجربة أردوغان وحزبه فى تركيا ، وكأن دولة تركيا اليوم تحاول ملء هذا الفراغ الحضاري ، ومن هنا نجد أن بعض القوى تحاول ، وبشكل قوي عن الوصول إلى هذا الهدف .

يجب العمل فى مستويين اثنين فى لحظة واحدة ، فى محاربة الاستبداد السياسي بلغة داخلية ، ومن هنا يجب على المفكرين والفقهاء تبنى مشروع الكواكبي الذى عرف أن داء الأمة الخطير هو الاستبداد ، وأن دواء الأمة من هذا المرض هو ( الشورى ) والشورى عندنا فكرة جميلة ، ولكنها بقيت جنينية ، لم تر النور إلا قليلا ، لقد رفض العقل السياسي عندنا مسألة الشورى كنظام حكم ، ولهذا نتقهقر ، ولا نتقدم ، ونعمل فى الوقت ذاته فى تحرير إرادة الأمة عن الاستعمار السياسي ، وبهذا نحقق أمرًا مهما ، وهو إدارة الإرادة ، وإرادة الإدارة ، فإرادتنا السياسية مغتصبة من قبل بعض الناس ( المستبد السياسي ) ، وقرارنا السياسي مغتصب من قبل الخارج ، فأوراق بلادنا ليست فى عواصمنا ، بل هي فى عواصم أخرى ، وأقوات شعوبنا ليست بيد حكامنا ، ولا بيدنا ، وحكامنا ليسوا منا ، بل هم وكلاء حصريين للخارج ، فأي نهضة تتحقق فى بلاد الوقواق .

إن فى جوهر الإنسان الخير ، ومن الخير السعي إلى الحرية ، ولكن طريق الحرية ليس مفروشا بالزهور ، بل هو مفروش بالدماء والسجون والهجرات ، وليس من العبث أن نجد الخوف مسكونا من كل الجهات عن الربيع العربي ، فالربيع العربي لا يمثل ثورات لأجل الحكم ، بل هو ربيع لأجل التغيير ، والتغيير فى هذه المنطقة خطير فى الاستراتيجيات الكبرى للدول ذات الحضور فى الملفات العالمية .

هناك مخرج عن الحالة ، والمخرج هو إدارة الإرادة ، وبالتالي تكمن فى إرادة الإدارة ، ومن هنا نعرف لماذا بدأ النبي عليه الصلاة والسلام مشروعه الدعوي والرسالي فى التزكية ، لأنه كان يريد تحرير إرادة الناس ليكونوا عبادا لله وحده فقط ، وبالتالي يحسنون بعد ذلك فى إدارة الإرادة وفق المنهج ، إنها النبوة ، وهذا هو المفتاح الذى ضاع من الجميع ، ولكن ممكن استعادته من جديد بيد أن ذلك يتطلب نوعا من العزيمة الأكيدة ، وما ذلك على الله بعزيز .

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock