الثقافةالسياسةالعمل والمستجدات

أين موقع الضعفاء فى عالم يتصارع فيه الأقوياء ؟ . عبد الرحمن بشير

أين موقع الضعفاء فى عالم يتصارع فيه الأقوياء ؟ . عبد الرحمن بشير
( قراءة سياسية لعالم ما بعد القطب الواحد )
…………………… …. …………………………………………………………
نحن اليوم نعيش فى مرحلة جديدة من الصراع الحضاري ، والسياسي ، هناك قوى صاعدة فى خريطة الصراع مثل روسيا والصين ، وهاتان القوتان تدخلان الصراع الدولي ، وكل واحدة منهما تمثل حضارة كما يقول هانتغتون صاحب كتاب صدام الحضارات ، فروسيا تمثل الرؤية الأرثوذكسية ، كما تمثل الصين الرؤية الكونفوشيوسية ، وهما أيضا عضوان فى مجلس الأمن ، ولديهما حق النقض ، وهما كذلك عضوان فى نادي ( النووي ) ، لأن كل واحدة منهما تملك أسلحة نووية من شأنها تدمير الكرة الارضية ، ولهذا فهما دولتان تملكان الأسلحة النوعية التى من شأنها صناعة ( الردع المتوازن ) ، وبهذا نؤكد وبشكل قاطع بأن روسيا والصين قوتان عملاقتان فى الواقع ، ولكن يضاف إلى ذلك أن كل واحدة منهما لديها رؤية وطموح ، فالرؤية تقود الدولة من خلال الصراع الحقيقي بين الكبار ، والطموح يصنع لها خريطة المستقبل السياسي .

إن الصين تلعب دورها السياسي من خلال الاقتصاد ، ولكن روسيا تلعب دورها من خلال الجغرافيا السياسية ، ولدى كل واحدة منهما خطة سياسية ، وهدف سياسي ، فالخطة تعمل منذ عقود ، أما الهدف هو إنهاء القطبية الواحدة لعالم الصراع الذى بدأ منذ سقوط الاتحاد السوفياتي فى بداية التسعينيات من القرن المنصرم ( العشرين ) حيث تبوأت الولايات المتحدة رأس القمة من العالم ، وأصبحت الشرطة الدولية الأولى ، والوحيدة ، وظن كثير من الخبراء فى التاريخ السياسي أنها نهاية التاريخ ، وبداية مرحلة جديدة سميت ( العولمة ) ، ولكنها كانت فى مضمونها ، وما زالت ( الأمركة ) ، أمركة العالم الجديد من خلال خلق أسواق موحدة ،وثقافة واحدة ، ورؤية واحدة ، وهذا ما بشر به صاحب كتاب ( نهاية التاريخ ) ، وحّق بعد ذلك أن تنتشر أفكار النهايات ، نهاية الجغرافيا ، ونهاية الأديان ، ونهاية الإنسان ، ونهاية عصر الأيديولوجيا ، وبدأت مرحلة جديدة تبشر بمستقبل زاهر تحت قيادة الولايات المتحدة الأمريكية ، ولكن هذا لم يدم طويلا ، ولم تعش البشرية فى هذه المرحلة الاستثنائية الرخاء الاقتصادي ، والاستقرار السياسي ، بل جرى للعالم حروبا كثيرة ، وتم استخدام أسلحة جديدة ونوعية وفتاكة ضد الشعوب ، وظهر فى الأفق صراعات جديدة ، ومن هنا ، بدأت الولايات المتحدة ، ومعها اوروبا الغربية ، حيث القارة العجوز تعلن العجز والإفلاس فى مجالين مهمين ، المجال القيمي والأخلاقي ، والمجال الحقوقي حيث لاحظ الناس ولأول مرة فى التاريخ سجونا سرية متخصصة للتعذيب ، وأخرى خارجة من القانون الدولي ( غوانتانامو ) نموذجا .

إن عالم اليوم لا يحتاج إلى عنتريات فارغة كما يصنع قادتنا فى العالمين العربي والإسلامي ، ورفع الشعارات الفارغة فى عالم اليوم ، والتى صارت جزءا من التضليل الثقافي كما يصنع إعلامنا الفارغ من المحتوى ، هناك من يتحدث عن الصين كقوة حقيقية ، وليست كقوة صاعدة ، لأنها كانت صاعدة قبل عقدين من الآن ، أما اليوم فهي حقيقية ، وهذه الحقيقة جاءت بعد تخطيط من الحزب الشيوعي الحاكم فى السبعينيات من القرن العشرين ، أي قبل عقود خمسة من الآن ، وبعد اكتمال العقد الثالث من قيام الثورة الشيوعية فى الصين ، حينها وضعت الخطة لتكون الصين دولة حديثة وقوية ، وطرحت نبوءة القائد ( دينغ شياو ) ، وقد قرر الرجل بلغة علمية وطموحة بأن الصين تحتاج إلى نصف قرن لصناعة التحديث ولتصبح قوة فاعلة فى الحياة السياسية والاقتصادية ، وحينها بدأت الصين ترسل البعثات العلمية ، لا لأجل أن يتعلموا الفنون ، والآداب ، ولكن لتعلم الهندسة والاقتصاد ، وطرق الإدارة الحديثة ، وما هي إلا عقود قليلة حتى تحولت الصين إلى مارد اقتصادي ، وقوة عالمية بسبب الطموح ، والإرادة ، والخطط ، والعمل ، وبهذا وصف الخبير العالمي ، وكبير الاقتصاديين الدوليين فى بنك ( standard Chartered ) الصين بأنها ورشة العالم ، وأكبر المعجزات الاقتصادية فى العالم .

تمثل الصين اليوم أكبر دولة تصدر السلع فى العالم بعوائد تصل إلى ( 4,3 ) تريليون دولار ، وتسهم ب ( 35% ) من النمو الاقتصادي العالمي ، وانخفضت الأمية حتى وصلت إلى أدنى مستوى لها ( 3% ) ، ووصل الناتج المحلي حوالي ( 12,1 ) تريليون دولار ، وعدد مستخدمي الانترنت تجاوز أكثر من ( 750 ) مليون شخص ، والأرقام تتحدث عن مارد سياسي ، ولكن من خلال الاقتصاد والأرقام ، وتحدث فى وقت سابق مايك ريتشارد بنس نائب الولايات المتحدة سابقا بأن الصين سوف تكون قوة عظيمة ، لأنها تسعى للسيطرة على ( 90% ) من الصناعات الأكثر تقدما فى العالم ، ومنها صناعة الروبوت ، والتقنيات البيولوجية ، وكذلك الذكاء الاصطناعي ، هذا أرقام حقيقية ، ولكنها عندنا فى عالم التخلف قد يقال ، إنها أرقام خيالية .

يتحدث تقرير للبنك الدولي ليقرر بأن ( 850 ) مليون صيني خرجوا من دائرة الفقر ، وأنها فى طريقها إلى التخلص منه قريبا ، والبطالة لا تتجاوز ( 4 % ) ، ولهذا بدأت تلك القوة الصاعدة تخطط للعالم من خلال سيطرتها على العالم من خلال الاقتصاد ، فالمال هو السفير الرسمي للصين ، وليس غيره ، فقد أشارت بعض الأرقام الدالة على ذلك بأن ( 12% ) من الإنتاج الصناعي لأفريقيا ( 500 ) مليار دولار سنويا تتحكم فيها شركات صينية ، ولديها أكثر من ( 2500 )مشروع بقيمة ( 94 ) مليار دولار فى أكثر من خمسين دولة .

تخطط الصين لتكون رقما ، بل لتكون دولة محورية عالميا ، وبالتالي فهي تستعد لذلك من خلال صناعة القوة الصلبة حيث فكرت فى ايجاد أول قاعدة عسكرية فى خارج أراضيها ، واختارت بعناية فائقة ( جيبوتي ) ، ولها وجود عسكري غير معروف بعتاده وعدده ، ولكنها تعلن بأن عدد القوات سوف تقف عند هذا الرقم ( 10 ) آلاف من الجنود ، ولكن القاعدة على قرب لا يتجاوز أكثر من ( 10 ) كيلو متر من القاعدة العسكرية الأمريكية ذات الأهمية الاستراتيجية فى القرن الأفريقي ، وهذا ما جعل الأمريكيون يفكرون بجد الانتقال من جيبوتي إلى بربرا فى الصومال لاند .

هكذا تعمل الصين فى عالم الصراعات السياسية والمالية ، ولكن السؤال هنا ، ما موقع الضعفاء فى هذا العالم ؟ وكيف يفكر القادة عندنا ؟ ماذا يملكون من مفاهيم سياسية فى عالم يتغير بسرعة ؟ ويتمدد نحو الضعفاء ؟
حين يتحدث وزير المالية فى الصومال ، ويقول عن ميزانية الدولة بأنها تصل إلى ( 671 ) مليون دولار ، وهذه الميزانية المقدرة لعالم 2021م تقترب ما يملكه اللاعب الأرجنتيني ليونيل ميسي حيث كشف تقرير لصحيفة ( آس ) الإسبانية بأن ثروة الرجل تبلغ حوالي ( 600 ) مليون دولار ، وميزانية الصومال لاند أقل من ذلك ، فما موقع هذه الكيانات أمام هذه الاقتصاديات الكبيرة ؟

إن مصر السيسي اليوم تعيش فى أزمة مالية غير مسبوقة ، كانت الديون يوم سقوط حسنى مبارك قريبا من ثلاثين مليار دولار ، وكان العدد مخيفا آنئذ ، واليوم وصل الدين بها حوالي مائة وثلاثين مليار دولار ، فقد وقعت مصر ، الدولة الرائدة فى العالم العربي والإسلامي فخ الديون ، وتعيش حيبوتى تحد الديون الصينية حيث تملك الصين أكثر من ( 80 % ) من الديون المستحقة ، ووصلت الديون فى جيبوتي أكثر من ( 140% ) ، وهذا يدل على أن هذه الدولة الصغيرة قد تصبح ( سيريلانكا) الثانية ، فهذه المخاوف لا تبدو للقيادات فى هذه الدول الصغيرة ، بل يعيشون ، وكأنهم يحكمون دولا مستقرة سياسية ، ولديها اقتصاديات قوية .

يقول الخبراء ، إن الدول التى تملك نوعين من السياسة تخرج من التيه السياسي ، ومن عدم الاستقرار المالي ، بل وتحقق نوعا من التنمية ، فالسياسة الأولى هي الإرادة السياسية للخروج من الورطة ، وهذه تحتاج إلى وضع خطة طموحة من شأنها صناعة الفعل ، أما الثانية فتكمن فى تفعيل المجتمع ، والمجتمع السياسي لا يصنع المستقبل ، بل يصنع التيه السياسي ( الصومال ) نموذجا ، والمجتمع المغيب سياسيا لا يصنع الأمل ( جيبوتي ) نموذجا ، ولكن المجتمع الحي ، والذى يملك نخبة فاعلة ذات رؤية وطموح ، وشعب واع لديه إرادة وحركية ، فهذا هو الذى يصنع المستقبل .

فى مقال لاحق سنتحدث عن روسيا وفرصتها فى الجغرافيا السياسية ، وكذلك إيران ، وتركيا كقوتين إقليميتين، كما سنتحدث كذلك فى مقال آخر بإذن الله عن ماذا نملك نحن لنصبح قوة ؟ وما هي فرصنا فى هذا الكون ، وفى هذه المرحلة ؟ وكيف يجب أن نقرأ التدافع السياسي الحالي ؟وكيف نستفيد منه إيجابيا ؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock