الدين و الترييةالسياسةالعمل والمستجدات

خاطرة فى عالم البشر اليوم . عبد الرحمن بشير

خاطرة فى عالم البشر اليوم . عبد الرحمن بشير
………………………. …………………………………
عندما تتأمل فى عالم البشر تجد أنهم اليوم ينقسمون إلى جبهتين ، جبهة الإيمان ، وجبهة الإلحاد ، فالجبهة الأولى تقيم دينها على التسليم المطلق ، والثانية تقيم إلحادها على رفض الاستسلام ، ومن هنا بدأ البشر فى هذا الزمن فى صراع ما بين العقل والدين ، فالعقل يرفض الاستسلام ، والدين يدعو إلى الاستسلام ، فأين الحل ؟

المؤمنون يتبعون الأديان ، والأديان نوعان ، أديان تدّعى أنها سماوية ، والأخرى لا تدّعى أنها سماوية ، بل هي وضعية ، ولكن الإنسان بذكائه صنع الدين الوضعي ، لأنه وجد أنه بحاجة إلى ذلك .

المؤمنون بالديانات السماوية يَرَوْن أن الحقيقة مع واحدة منها ، وليس مع الجميع ، فاليهود يرون الحقيقة مع التوراة ، والمسيحيون يعتقدون بأن الحقيقة فى الإنجيل ، وكذلك فى التوراة ، ولكن بالفهم المسيحي ، والمسلمون يرون أن الحقيقة معهم ، والحق فى القرآن ، وكان يوما ما مع التوراة والإنجيل ، ولكن اليد البشرية عبثت بهما ، وبهذا خرجا من طور الحقيقة .

الملحدون يرون بأن الحقيقة ليست مع الأديان ، لأنها تأمر أتباعها بعدم استخدام العقل لفهم الحياة ، بل أمور الاديان منحصرة فى الاستسلام المطلق للإله بدون استخدام للعقل ، ومن هنا ، فالحقيقة ليست فى الاستسلام ، بل هي فى رفض الاستسلام .

يجيب المتدينون أن الاستسلام نتيجة ، وليس سببا ، فالعقل ليس مرفوضا بالمطلق ، ولكنه ليس وحيدا فى معرفة الحقيقة ، فهو وسيلة مهمة ، ولكنه ليس الوسيلة الوحيدة فى هذا الباب ، هناك طرق أخرى للفهم مع العقل ، ولهذا ، فالمتدين لا يلغى العقل من الحساب ، وإنما لا يعبد العقل ، ولا يلغيه من الحساب .

يرفع الملحد دعواه بشكل أساسي ، فيسأل ، ماذا يقول العقل عند المتدين حين يؤمن بالغيب ؟ ماذا يقول العقل فى إثبات الجنة والنار ؟ من أين تم بحث هذه الموضوعات علميا ومنهجيا ؟

يجيب المتدين بقوة ، لقد بحث علماء الأصول والعقائد عن الغيب ، وطرحوا أسئلة منهجية حول هذه الموضوعات ، فالعقل العلمي والمنهجي ليس دوما مع العلم المادي ، فهناك أسلوب آخر فى البحث عن الغيب ، وهو مختلف عن البحث فى عالم المادة ، والخلاف بيننا منهجي ، وليس كما ترون علميا ، فالمنهج الذى نستخدمه كمتدينين يختلف عن المنهج الذى تستخدمونه كملحدين ، والمشكلة فى المنهج ، وليس فى العلم .

الملحد يرى العلم وسيلة للوصول إلى الحقيقة ، والمتدين يرى العلم سبيلا لمعرفة الحقيقة ، إذا ، أين المشكلة ، فهل المشكلة فى العلم ؟ أم فى شيئ آخر ؟
هناك العلم ، وهناك تأويلٌ للعلم ، فالملحد يستخدم العلم كأداة لدحض الدين ، والمتدين يستخدم العلم كأداة لتقوية الإيمان ، فالمشكلة ليست فى العلم ، بل المشكلة فى استخدام العلم .

لماذا يخاف المتدين من العلم اليوم ؟ ولماذا يستخدم الملحد العلم اليوم أمام المتدين ؟
المتدين عندنا أصناف ثلاثة ، المتدين الطفولي ، وهو الذى يتربى على الخوف من الآخر ، والمتدين المراهق ، والذى يتربى فى رفض الآخر ، والمتدين الراشد ، وهو الذى يعرف أن الحقيقة التى عنده توصّل إليها من خلال الفهم والبحث ، ولهذا فهو لا يخاف من نتائج العلم ، ومستعد لمواجهة الفلاسفة والعلماء بالعلم والحجة .

لدينا كذلك ظاهرتان من المتدينين ، الظاهرة العاطفية ( التدين الأنثوي ) ، والظاهرة الفكرية ( التدين العقلي ) فالتدين الأول مبني على الشحن الروحي ، وقراءة الدين من خلال ( الرجاء والخوف ) فقط ، والثاني مبني على القناعة من خلال البراهين والأدلة ، والتدين المطلوب هو التدين الذى يجمع بين الرشاد والحماس ، فالرجاء والخوف ركنان من أركان العمل المقبول ، ولكن قبل ذلك فلا بد من إقناع الإنسان ليكون عضوا فى نادي أهل التدين .

الفلسفة تبحث عن عوالم ثلاثة ، عالم الوجود ، وعالم المعرفة ، وعالم القيم ، والعلم يبحث عن كيفية تكوّن العالم ، وكيف يستمر ؟ وما هي القوانين التى تحكم الحياة ؟ فهو يبحث عن ( كيف ؟ ) ، ولكن هناك مسألة أخرى بحاجة إلى بحث وهي ( لماذا ؟ ) لماذا الخلق ؟ ما الغاية من الخلق ؟ ما رسالة الإنسان ؟ هنا يتوقف العلم عن الحركة ، فالمسألة ليست فى الظواهر ، بل فى ما وراء الظواهر ، هنا يأتى الدين للجواب عن كل هذه الأمور .

وجدت بعد تأمل عميق ، ودراسة طويلة لكتاب الله ، وقراءة متنوعة للمنتوج الفكري ، وسياحة غير بسيطة أن القرآن كتاب منهج فى التعامل مع مفردات الحياة ، فالقرآن يأمر الناس أن يسيروا فى الأرض ، ولكن لهدف واضح وهو أن ينظروا ، ويعرفوا ، ( قل سيروا فى الأرض ) لماذا ؟ الجواب فى قوله تعالى ( فانظروا ) هنا يأتى سؤال منهجي ، ماذا ننظر ؟ فالجواب فى كتاب الله ( كيف بدأ الخلق ؟ ) ، هناك تسلسل فى الآية ، السير فى الكون أولا ، ثم النظر فى الكون ثانيا ، ثم العلم والمعرفة ثالثا ، لأنه لا علم ولا معرفة بدون نظر ، ولا نظر بدون حركة علمية ومنهجية .

فى آيات أخرى ، وجدت كذلك أوامر منهجية فى البحث عن الظواهر ، فقال تعالى ( أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ؟ وإلى السماء كيف رفعت ؟ وإلى الجبال كيف نصبت ؟ وإى الأرض كيف سطحت ؟ ) هنا نجد عالم الحيونات ، وعالم البيولوجيا ، ثم عالم الفضاء والاكوان ، ونجد بعد ذلك عالم الأرض والجيولوجيا ، وكل ذلك لا يمكن معرفة حقيقتها بدون نظر ، وبحث .

إن كلمة النظر ( البحث ) تم استخدامها فى كتاب الله بشكل واسع ( فلينظر الإنسان ممّ خلق ؟ ) وفى قوله ( فلينظر الإنسان إلى طعامه ) ( قل انظروا ماذا فى السموات والأرض )، فالنظر هو المنهج العلمي فى معرفة الحقيقة ، فالقرآن ليس كتاب علم فى عالم العلوم البحتة ، ، ولكنه كتاب يشير إلى المنهج العلمي فى البحث عن الحقائق ، ومن هنا فالمتدين المسلم راشد دوما ، وليس مراهقا ، أو طفلا ، وليس كذلك متدينا عاطفيا فقط ، بل هو إنسان يفهم ، ويحاور ويناقش ، ويدافع قضيته بحج وبراهين ، ولايخاف من المواجهة .

ونواصل فى المسار لفهم الحياة من خلال الصراع ، فالحياة مجال للتدافع ، والتخاصم ، ومن لم يفهم هذا فهو مسكين يعيش فى عالمه الخاص ، وعليه تدور الدوائر وهو لا يدرى .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock