الدين و الترييةالسياسةالعمل والمستجدات

ذكرى_وفاة الشيخ محمد المنصُور سي الكَبِير رحمة الله عليهِ

1957
29-03-2021

1- البيئة التِّي نَشَأَ فِيهَا:

مِنطقةَ كَجُور هيَ من أشهر الأماكن التي اشتهرت فِي السنغال بنشرِ العلمِ والثقافةِ الإسلامية منذ زمنٍ سَحِيقٍ. وهي – كجور – أرض العلماء والامراءِ والحكَمَاءِ، وصف القاضي مَجَخَت كَلَا [ت 1900] ارض كجور بقصيدة رائعة، يقول في مطلعهَا:

بلاد الله اطيبها كجور
وأهلهَا لهم خصب كثير

وقد ألف والده الشيخ الحاج مالك سي منطقة كجور منذ ان كان شابا وطالبا، يجوب الفيافي لأجل العلمِ والمعرفةِ، فمن القرى التي زارها الحاج مالك سي قرية “سيلّا دَرَمان” عند العالم “مسيلا مانِ” تلميذ القاضي الأريب “مجخت كلا” رحمة الله عليه. ولما اراد الشيخ أيضا نشر الدعوة الإسلامية في السنغال أختار منطقة كجور وبالاخص في قرية “انجَاردي” واتخذها رباطا له لتثقيفِ أتباعه وتربيتهم مادية ومعنوية، فكانت فيها مدرستها الزراعية والثقافية. وقد استضافه في تلك القرية السالفة الذكر الشيخ “مَامْ غُومبَا أَمَارْ” والشيخ “مام مجُورْ” رحمة الله عليه. وهذين الشخصين كانَا من أكبر مقدمي الشيخ الحاج مالك سي.
ثمَّ انتقلَ الشيخ الوَالد مرشد الأجيالِ، الشيخ الحاج مالك سي رضي الله عنهُ إلى مدينة تواوون مع نهاية القرن التاسع عشَرَ الميلاديِّ، وقيلَ غير ذلكَ. فتمكن الحاج مالك سي من تغيير جو مدينة تواوون “الجِّيدُوِية” إلى جوٍّ دِيني تهب فيها رياح الثقافة الإسلامية الأصيلةِ معَ نسمات الهيللة والصلاة على النبي عليه أفضل الصلاة والسلام.

2- الولادة والاسرة:

وُلِدَ الشيخ الجليل، والعالمُ العلاَّمة، الشاعرُ الفحل، والمُرَبِّي القدير في مدينة تواوون عامَ 1900م. فوالده هوَ مرشد الأجيال وناشر الثقافة الإسلامية والسبحَة التجانية في السنغال، الشيخ الحاج مالك سي بن عثمان الجلوفي. فاجداده من جهة الأب ينتمون إلى نسل العالم الشهير لدى البيضان بِشمس الدين، وعند الفولانيين والولوف بِ “جَمَ سي”. ومن هاته الأسرة أيضا ينتمي مؤسس أول دولة إسلامية في السنغال، الشيخ أَلْمامِ مَالك سي في منطقة “بُونْدُو”.
وأما والدتهُ هيَ السيدة صفيَّة انيَانغ الجُـلُوفية التي تنحدرُ من نسْلِ الجد “مَهرم امبَاكي” رضي الله عنه. فهي الجدة صفية بنت كَنجِ خرِ انيانغ بنت خَرِ امباك بنت جِرنُ فرمتَ بن العلامة مَارَمْ امباكِ رحمة الله عليهم أجمعين. وهذا الجد هو القاسم المشترك بين الأسرة الباكية في منطقة “بَوَل” والأسرة المالكية في منطقة “كجور”. فيمكن القول بأن الشيخ محمد المنصور سي الكبير طويل الأصلينِ وشريف الجرثومِ.

3- النشاة العلمية والثقافية:

نشأ الشيخ محمد منصور سي في بيت وعلم وكرمٍ، يقصده الدارسون والعلماء من كل حدب وصوبٍ. وهذا فقط يمكن ان يقودنا إلى القول بأنه لم يخرج من ظل والده لطلب العلم والمعرفة، فأبوه هو الذي علمه ورباه بالعلم والكرم والشجاعة والشهامة. يقول الشيخ عبد العزيز سي الدباغ: «وكان الحاج محمد المنصور سي ارسل ذات يوم إلى الإمام الحاج موسى انجك رحمة الله عليه ليطلب له من والده الإذن في الخروج لطلب العلم فقال له الشيخ الحاج مالك قل لاخيك: فليكن معي بجانبي ليعرف الناس حقيقة المعرفة حتى لا يفتر بهم، مع متابعة دراسته إن شاء الله وسيتولى الله تعليمه» [سي، عبد العزيز الدباغ، أوضح المسالك في التعريف بحياة ومناقب الشيخ الحاج مالك وقانا الله بجاهه المهالك، دون سنة، ص:77].
ثم أخذ عن والده علوم الشريعة والحقيقة، فكانَ كاتبا بارعا، وشاعرا لا يشق له غبار في هذا المجال. فكانَ رغم صِغر سنه سكرتير والده الحاج مالك سي، فقد كان الشيخ يستعمله في كتابة الرسائل والإجازاتِ، «وكان الشيخ والاه جميع ما يتعلق لشؤون الأسرة وكل ما يتعلق بإخوانه الكرام كابناء أعمامه وعماته، وأبناءه إخوانه وأخواته» [أوضح المسالك، مرجع سابق، ص: 77] فكانَ رمزَ الكرامة والشجاعةِ، حليما خَلوقًا، لين الجانبِ، طيب النفسِ، ظهر ذلك في جل قصائدهِ رحمة الله عليهِ.
يقول الدكتور عثمان جاه: «ولقد تأثر الحاج منصور سي تأثرا واضحا بمواعظ والده ودعوته إلى التخلق بالأخلاق الكريمة، ونبذ المخالفات، وذم الوشاة، ولقد حز في نفسه ما طرأ على الزاوية من الشقاقِ» [جاه، عثمان، التجانية في الأدب السنغالي العربي، ط1، سنة 2017 ص: 222].

4- مكانته العلمية:

الولد سرُّ أبيه، فقد أخذ الشيخ عن والده الكثير الكثير، وكان يشبه كثيرا أيضًا. شهد له علماء عصرهِ نبوغه في العلوم العربية والشريعة أيضا. خاطبَ أتباعه باللسان والقلم، وخاصة قلمه الجريء والجميل الذي كان يشربه أسلوبه الذي يشبه بالسهل الممتنعِ. فديوانه الشعري دليل حي على علو كعبته فِي اللغة العربية، وعلومِ القومِ وعبقريته بالقرض وإرشاد الأتباع.

5- من تعاليمه وإرشاداتهِ:

أ- يقول في بعض قصائده لتوجيه الطلاب وتذكيرهم أهمية العلم والتحصيل:

وكل وقت له ما يستحق فلا
تقل سأفعل إن العمر ذو قصر
والوقت كالسيف فافعل ما تشاء به
إلا فإنك مقطوع عن النظر
بالحفظ والبحث والتكرار فاجتهدن
في الدرس حرر على ما كان في الزبر

ب – يقول في قصيدة أخرى تذكيرا الشباب حال القوم ومبادئهم:

ورأس مال الفتى عقل ومعرفة
وإن هما فُقدا حقا فقد بادَا
مافس على الله دينا لا دنى وأما
هواك تحيى وتحظَى منه إرفادا
دع معشرا حجبوا عن ربهم وعموا
ملازما عارفا في الله منجادا
حب الرئاسة دع إن كنت معتنيا
بما اعتنى القوم في مولاك مقصادا

ج – يقول في قافية أخرى يوصي الشباب بالعفو والصفح:

ولا تظلموا عبدا ولا تحقروا أخا
فما المرء يدري ما به يطلع الفجر
وإياكم الاقوال والقيل والمرا
فما احد يرضاه في ذلك البر
صِلوا قاطعا لله واعفوا ومن عفا
وأصلحَ من فضل المنيل له الاجر
ولا تصحبوا من ليس ينهض حاله
وليس له في الله طي ولا نشر
عليكم بحسن الصبر في كل ازمن
فإن ملاك الأمر أجمعه الصبر

وله قصيدة مشهورة يوصي بها أخوه الصغير الحاج عبد العزيز سي الدباغ وهو في آخر أيامه، جاء في مطلعهَا:

د_ عبد العزيز اعرني القلب أوصيكا
وصية عنك تشفي كل ما فيكا
في ذا الزمان الذي عم الفساد به
ولا ترى أحدا فيه يصافيكا
فغض طرفكَ لا تفحص أخي أبدا
ولا ندتكونن تعادي من يعاديكا
لا ترفعن خطوة إلا وترفعها
إلى الذي كان عنه البر يجزيكا
للمرء لا شك أخلاق تدل به
عن السؤال فأحسن من معانيكا

راجع فضلا هذه الابياتِ في ديوانِهِ: [اليواقيت العرفانية من الفيوضَاتِ الربانيَّةِ]

6- وفاته رحمة الله عليه:

توفي الشيخ الجليل والعالم العلامة السيد محمد منصور سي في مدينة تواوون يوم 29 من شهر مارس عام 1957م، بعد وفاةِ أخيه الكبير الخليفة أبوبكر سي رضي الله عنه لأربعة أيّام فقط. ثمّ دفنَ بجوار شيخه ومرشده ووالده الشيخ الحاج مالك سي في زَاويتِه المشهورةِ بتواوون. وهو والد الخليفة الحالي الأسرة المالكية التواوونية الشيخ أبوبكر سي منصور حفظه الله ورعاه. يقول الشيخ عبد العزيز سي الدباغ في حق أخيه الكبير محمد المنصور سي الكبير:

منصور سعيك عند الله مشكور
وفضلكم عند أهل الله مشهور
لا زلت ترفل في اثواب عافية
وحظكم عند رب العرش موفورُ
خصكم الله ما قد خصكم كرما
من فضله قبلكم بالذكر معمور

فرحمة الله عليه بكرة وأصيلا!

الجُلوفي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock