الدين و الترييةالسياسةالعمل والمستجدات

مكانةُ الأدب في المُريدية

مكانةُ الأدب في المُريدية

إنَّ حُسن الأدبَ حُسن مَبدأ قويٌّ وركنٌ وطيدٌ مِن مبادئ الطريقة المُريدية إحدى الحركات التجديدية والإصلاحية التي ينبغي التمسّك به دُون الاهمال بهِ، وإذا رجعنا إلى أقوال مؤسّسها نرى أنَّ الأدب لهُ مكانة عالية عِندهُ، ولذلك نودُّ أن نتحِف القُراء خِلالِ هذا البَحث الوجيز بأهميته ومكانتهِ لِكونِه يعدُّ شِعارا من شعار المُريدينَ .

تعريفهُ :

الأدبُ هُو مكارم الأخلاق وحسن الشيم كما قال في منظومته ” نهج قضاء الحاج” :
فِعلُكَ ما نَظرتَ باسْتِحسَان = وتركُ ما نَظرت باستهجانِ

أقسامهُ:

قال في كتابه ” مسالك الجنان ” مبينا أقسَامهُ :
وهُو قِسمان لدَى الدَّيمانِي = أدبُ ظاهر مَع الإنسَان
وأدبُ الباطِن مَعْ ربِّ الورَى = ويتبعُ الباطنَ ما قَد ظَهرا

وكان منهجه التربوي يشتمل على تربية الروح والجسم معا، و ترويض الطفل على التحلّي بمكارم الأخلاق و الآداب العامة،
حيث قال في كتابه ” نهج قضاء الحاج ” :
طريقةُ الأدبِ رحْمة الصَّغيرْ = كالأب و الأم وتَوقير الكبيرْ
وجَعل مثلك كنفسِك سَوَا = لوجه خالق عَلى العرش استَوى
و مِن تأدبِّك أن لا تنظُرا = حَقا لنفسك على شخص ترى
و أن ترى أنك لست مُستحقْ = شيئا من التَّعظيم ممن قد يمقْ
بل اعتَبر مِن نفسك الآدابَا = ولا تٌطالبن بِه الأصحَابا
وكُن مع الناس جَميعا دَهركَا = كما تحبُّ أن يكُونوا مَعكا

حثُّه النّاس عَلى ملازمة الأدب

وكان الشيخ الخديم – رضي الله عنه – يحثُّ المُريدين عَلى أن يدمنُوا عَلى الآدابِ حيث قال فِي قصيدتهِ ” تقريب الأقصى”:
تأدبُّوا فِي عَلن وسِر = مع العليِّ وخَلقه بالبِرّ

وقال في وصية أخيه مام جيرن إبراهيم فاط امباكي
أوصِيك بالعِلم والأعمَال = مَع التأدب على الكَمال

وقال أيضا – رضي الله عنه – كتبها لإخوانِه:
جَمالُكم علمٌ وسَعيٌ وأدبْ = فلَازمُوها يُنفَ عَنكُم الودَبْ

[المجموعة، ص : (91)]

الأدبُ أمرٌ من أوامر الشيخ الخديم – رضي الله عنه –

قال: ” اعلم أيُّها المُريد أني آمرك بستة أشياء، وأنهاك عن ستة أشياء كما طلبتَ. فالستة التي آمرك بها فهي الإيمان، والثاني: الإسلام، والثالث: الإحسان، والرابع: التمسك بالقرآن والخامس التقوى، والسَّادس: طلبُ العلم مع العمل والأدب، فمن لم يؤمن بقلبه فهو كافر، ومن لم يسلم بجوارحه فهو فاسق، ومن لم يحسن بكليته فهو مشرك ومراء، ومن لم يتمسك بالقرآن فقد ضل ضلالا يجره إلى ما يبكيه أبدا، ومن لم يتق الله تبارك وتعالى بامتثال الأوامر واجتناب النواهي ولم يرحمه الله تبارك وتعالى بالتوبة النصوح إلى موته فقد خسر خسرانا مبينا، ومن جهل ولم يطلب العلم مع العمل والأدب إلى موته فقد ضيع عمره ـ والعياذ بالله تعالى ـ.

وأما الستة التي أنهاك عنها فالأول: الحسد لا تَتَمَنَّ أن ينسلبَ خير عن مسلم أو مسلمةٍ فإن الحسُود لا يسود، والثاني: التكبر فإن الله تبارك وتعالى يُعذب المتكبرين بناره إن ماتوا عليه، والثالث: الحرص فإن الحرص يجر صاحبَه إلى ندامة عظيمة، والرابع الإصرار على المعاصي فإن الإصرار من علامة الشقاوة، والخامس: البُخل فإن البخل يُقَرِّبُ إلى النار ويُبَعِّدُ من الجنة، والسادس: التسويف فإن التسويف يُفَوِّتُ الخيراتِ، ومن فاتته الخيراتُ ولم يُدركها شقي شقاوة لا سعادة بعدها أبدا ـ والعياذ بالله تعالى ـ. [ ينظر: ” المجموعة الكبرى”، للشيخ الخديم – رضي الله عنه – ، ص: (58)]

ويقول: ” الأمُور عَلى ثَلاثة أقسام: العِلم النافعُ، والعملُ الصَّالح، والآدابُ المرضيةُ فالعلمُ النافع: يتولَّدُ من عِلم عُيوبك ، والعَملُ الصَّالحُ: يتولدُ من الانقياد إلى الله، والأدبُ المرضي: يتولد من تأديب مودّب يُوصلك إلى الله ويُقربّك منهُ “. [ المجموعة الكبرى، ص: (421)]

وقال في وصية نافعة كتبها لأولاد إخوانه بارك الله تعالى فيهم وفي جميع أحباء الله تعالى:
عليكُم بالعلم والتأدب = والعمل الصالح دون لعب
العلم قائد لما يسُّر = والجهل قائد لما يضُرُّ
وعدم الأدب قائد إلى = بُعْدٍ من الله القريب ذي الإلى
وعدم العمل بالمأمور = به من القائد للتدمير
وكثرة اللعب تَحْرِمُ الخيور = فاجتهدوا عند الخلاء والديور

[ المجموعة، ص: (80)]

وقال الشيخ – رضي الله عنه – أمرتكم بالاجتهاد فيما أُذِن لكم بلا غفول عنه ونهيتكم عن كل ما لا فائدة فيه، وأمرتكم بملازمة التأدب في كل شيء ونهيتكم عن التسويف، وأمرتكم بمُبادرةٍ إلى كلِّ ما أذِنَ لكُم تَعَلَّمُوا وتأدَّبُوا تَعْلموا وتَنْتَفعوا في الحال والمآل .

سُبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

فوائد الأدب فِي الكتابات الخديمية

الأدبُ خَير زِينة

يقُول الشيخ أحمد الخديم – رضي الله عنه – فِي كتابه “مَسالك الجنان” مبيِّنا مكانة الأدب :
اعلم حبَانا الله فِي الداريْن = بفضله سُبحانه النُّورين
بأن خَيرَ مَا به ازدانَ الفتى = تلازمُ الأدب حَيثما أتَى
لأنَّه به إلَى الرحمَان = يَصلُ عَبدٌ إلى الجِنان
فَكلُّ مَن بغَيره رَام الوصُولْ = لحَضرةِ الله فَغمر لا نَبيلْ
ونَطقوا بأنَّه كاد يَكُون = ثُلثيِ الدِّين ففَضله مُبينْ

الأدبُ عِصمة من الوَدب

وقال أيضا فِي إحدى وصَاياه :
يَامن يُريد عِصمةً من الوَدب = لازِم تُقى ولا تفَارقِ الأدَب
ولازمُوا في كُلِّ حين الأدب = فإنَّه يكفِي البلا والوَدب

وقال في وصيته لابن عمّه أحمد بن سعيد بن أحمد حينَ أرادَ الارتحال:
ولازمِ الأدبَ حيثُ كُنتا = في ظاهرٍ وباطنٍ إنْ غِبتَا
واعفُ عَن الذي جنَى للحِلمِ = واجتهدَنَّ فِي التماسِ العِلمِ

الأدب طريقٌ للوُصول وكشف الحجاب

وقال شيخُنا الخديم – عليه أسنى الرضى من الباقي القديم – في وصية ” إلهام الودود في جواب محمُود”:
وإن تُرد كشفَ الحجابِ والوُصُولْ = فلا تُفارقْ أدبا حَيثُ تميلْ

وقال – رضي الله عنه -:
دونك منِّي أيّها المريد = نصيحة لسالك تفيد
عليك بالصَّبر وبالآدابِ = إن تقصد الكشفَ عَن الحِجاب

[ ينظر: مجموعة الوصايا للشيخ الخديم
– رضي الله عنه – ]

معيار الخيرية والأفضلية

يقول في كتابه ” نهج قضاء الحاج ” :
واعلم بأنما تفاوت الورى = بالعلم والدين يكون فاصبرا
وبهما يفضل من قد فضلا = لا بانتسابه لمن قد اعتلى
من جهة الأنساب أم وأب = ففيهما اجتهد مع التأدب

الأدبُ سببٌ من أسبابِ الوصُول إلى الله تعالى

قال الشيخ الخديم – رضي الله عنه- :
وصَحّ أن الأولياءَ الوَاصِلينْ = مَا وصلُوا إلى إلهِ العالمينْ
لذلكَ قالتْ أم نَجل أنس = إمامِ دَار الهِجرةِ المنفس
لما إلى رَبيعةَ قدْ وجهتْ = للأخذِ عَنهُ وبخَير أمرتْ
بُنيَّ مِن آدابهِ خُذ قَبل ما = عَملِه بِذاك سَاد الكُرما

[ ينظر: المجموعة الصغرى، ص: (107)]

يُلمح الشيخ إلى هَذه الأبيات إلى وصية أم الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة له التي ذكرها أحمد بن مَروان المالكي، عن إبراهيم بن سهلويه، عن أبن أبي أويس قال: سَمعتُ خالِي مالك بن أنس يقُول: ” كانت أمِّي تلبسنِي الثياب، وتعممنِي وأنا صَبيّ، وتوجهني إلى ربيعةَ بن أبي عَبد الرحْمن، وتقول: “يَا بُنَيَّ، ائْتِ مَجْلِسَ رَبِيعَةَ، فَتَعَلَّمْ مِنْ سَمْتِهِ وَأَدَبِهِ قَبْلَ أَنْ تَتَعَلَّمَ مِنْ حَدِيثِهِ وَفِقْهِهِ”. وذكر ابن القاسِم، عن مالك – رضي الله عنه- أن ابن هرمز قال في ربيعة: ” إنَّه لفقيه فِي حِكاية ذكرهَا “. [ ينظر: كتاب ” التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد “، لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر – رحمه الله تعالى- طبعة دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان، الطبعة الثانية ، ج2، ص: (5)]

الأدبُ يسبّبُ طُول العُمر

تشيرُ بعض المصادر إلى أنَّه كان يقُول: ” إذا قَام الأدبُ يقُول له طُول العُمر: سَأصطحِبكَ ولا تتركني وَحيدًا منفَردًا، ثمَّ تقُول لهُ الجنَّة: سَأرحبُّ بكُما وأكرِّم مثواكما، فَإذا قام سُوء الأدبِ يقُول له قِصرُ العُمر: سَأصطحِبكَ ولا تتركنِي وَحيدًا منفردًا ثم تقُول لهُ النَّار: سَأرحبُّ بكُما وأكرم مثواكما. [ وختان سرين طوبى، الجزء الأول ص: (37)]

ومغزى هَذا الكلام: إنَّ الأدب يسبِّبُ طولَ العُمر ودُخول الجَنة، ولكنَّ سُوء الأدبِ يسبِّبُ قِصرَ العُمر ودُخولَ النَّار.

يحسِّن كل قبيح ولا يَحسُن شيء دُونه

وقال – فَريدُ دهره ووحيدُ دهره -: ” الأدب شيء يُحَسِّنُ كلَّ قَبيح دخَل فيه والوَدَبُ شيء يُسَيِّءُ كلَّ حسن، فالأدبُ على قسمين: أدبٌ مع الله، وأدبٌ مع الناس، فالأدبُ مع الله على أربعة أقسام: امتثال أمره واجتناب نواهيه، والشكر على النعمة والصبر على البلاء، فالأدبُ مع الناس عَلى ثلاثة أقسام: تكريم مكرَم واستدراج مستدرَج وترك غيرهما على حاله. [ المجموعة الصُّغرى]

وقال: ” الأدب شَيء لا يَحسن دُونه شيءٌ وإذا دخل في شَيء حسَّنه وأحسنه وإذا خرج من شيء قبَّحه “.

وقال: “…. وتأدبْ مع الوالدين ومَع كل من خالطتَه، فإنَّ الأدبَ هُو الذي لا يحسُن شيء دُونه “. [ ينظر: ” المجموعة الصُّغرى”، ص: (79- 80 )، و”المجموعة الكبرى”، ص: (192)]

وكان يحذر جميع أتباعه من التبحر في العلوم دون ملازمة الأدب حيث قال فِي منظومته ” تزود الصّغار “:
فكثرةُ العلم بغَير أدَبِ = جالبَة إلى الأذى والتَّعبِ

وقال أيضا: (( سَيأتي على الناس زمن يكثر فيه العلم والمال ويختَفى أو ينقرض الأدب )). منقول من الروايات الشفهية المسجلة في الأشرطة التي سجلت من قبل بعض معاصِري الشيخ الخديم – رضي الله عنهم -.

وخير دليل على عنايته الشّديد بالأدب أنه قام بنظم كتاب ” الأخلاق والآداب ” الذي ألفه شيخ أحمد بن محمد الدلحاجي الشنقيطي فِي الآداب والأخلاق وسماه ” نهج قضاء الحاج فيما من الأدب إليه المُريد يَحتاج ” بطلب مِن بعض أتباعه [1] قيل هو: الشيخ مُور كُونَ امباكي، وقيل: الشيخ بل فال جينغ فلبّى طلبهُ، وقد اختلف في تاريخ تأليفها، فقيل: ألَّفها أثناء مقامه بـ ” موريتانيا” ، وقيل قبل غيبته البَحرية، وهو منظوم يقع فِي 245 بيتًا، وأما الشرح الموجُود فِي الكتاب مطبُوعا فليسَ للشيخِ ألبتَّة، بل هُو الكتاب المنثُور الذي قام بنظمه فتنبَّه !

[ يُراجع: منظومة ” نهج قضاء الحاج فيما من الأدب إليه المُريد يحتاج ” للشيخ أحمد بمب امباكي، عناية وتعليق: دائرة فتح الغفار بالمغرب، مطبعة المعارف الجديدة – الرباط 2017 م، ص: (19)]

هَذا غيض من فيض، وقلّ من كثر، وهُناك آداب كثيرة ذكرها في كتابه ” نهج قضاء الحاج ” الذي خصّصه بِهذا الباب كآدابِ النّوم، والكلام والحِوار، وآداب المشي، وآداب الطعام، وآداب السَّلام لم نتطرق إلى تَوضيحها لضيق الوقت وخَوف الإطالة، وكُلّ مَا قلَّ بالاكتفاء خَير من الكَثير ذي العناءِ .

بقلم الأخ الباحث سَرين امباكي جُوب خضر الطوباوي خريج معهد الدروس الإسلامية ومدرس اللغة العربية والعلوم الشرعية في معهد الخليل الإسلامي

 

الهوامشُ:

1- هَذا، وإنِّي اليومَ ذُو إجابة = بعضَ المُريدين ذَوي الإنابةْ
قَد طلبُوا نظما حَوى تأدُّبا = ليَتأدّبُوا وذاك وجبَا
فقُمتُ مُسرعًا إلى الجَوابِ = وأرتَجِي الرّضى مَع الثَّوابِ
مضمونُه نثرُ الوليِّ الدَّلحاجِي = وأرتجِي به قَضاءَ الحاجِ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock