السياسةالعمل والمستجدات

مقال : الأدب السنغالي العربي بين الواقع والمأمول.

بقلم الكاتب عمر لي.

لا يمكن الحديث عن الأدب السنغالي العربي قبل العروج إلى العمل الكبير الذي صنَّفَه “الدكتور عامر صمب” والذي يحمل هذا العنوان؛ إنه استطاع أن يلمس الشعراء السنغاليين بطريقة تاريخية مع ذكر المدارس التي ينتمون إليها، ويبدو أن المدارس كانت مدارس زمكانية أكثر من كونها فكريّة أو أدبيّة؛ فالمدارس التي تناولها إنّما جاءت تبعا لموطن الشاعر ومسكنه، وهذه الدراسة للأدب لم تكن تتوغل في دراسة نوعية الشعر ولونه، ولم تكن كذلك تحلّل الشعر بطريقة أدبيّة عميقة، ولعلّ تحفّظ الكاتب الذي كان مؤرّخا أكثر ممّا كان أديبا هو الذي جعله يقف موقف المريد الصامت لحرَم الكتَّاب الذين يعتبرهم أشياخا ينبغي عليه استلام كلامهم على بكرة أبيه، أوإضفاء كل هالات التقديس على منتوجاتهم من دون تناول هذه الأعمال بطريقة نقدية، وتحليلها تحليلا أدبيا يتجاوز اللفظ ويتوغّل في المعنى، ليلمس في النهاية مناقبها الشعرية ومثالبها، إضافة إلى قلّة باعه في الشعر؛ وهذا يجلو في أشعاره التي أوردها في الكتاب وزعمه أنه واحد من الشعراء….ولعل “السيد جورتي سيسي” في كتابه “السنغال والثقافة الإسلامية” قد استطاع بجرأته الأدبية أن يتناول بعض الأعمال الأدبية بنقدها ودراستها هرمينوطيقيا وأدبيا، خلافا عن “الدكتور عمر محمد صالح با” الذي -رغم علوّ كعبه في البحث والأدب- لم يعامل النصوص الواردة في كتابه كأديب ناقد ومحلل جريء، بقدر ما عاملها كأي مؤرخ سنغاليّ يريد إبداء الجوانب اللامعة في التاريخ السنغالي… ومن هنا سنقسّم الأدب السنغالي على مراحل ثلاث لمزيد من التبسيط:

المرحلة الأولى:

انطلاقا من كلّ هذا أستطيع أن أدّعي -وأرجو أن أكون مخطئا- بأنّ في تسمية الأدب القديم الذي كتبته الأقلام السنغالية بالأدب السنغالي شيئا من التجاوز، وأقصد بالقديم: من كتابات “الشيخ عمر الفوتي تال” إلى كتابات عصر “الشيخ إبراهيم انياس”؛ ذلك أن هذه الكتابات لا تكاد تتسم بطابع سنغالي، بل إن أي قارئ اطلع عليها مجرّدة من أسمائها لا يكاد يميّزها عن الأعمال العربية البحتة، فالأسلوب جاهليّ تارة وعباسيّ تارة أخرى؛ ومن قرأ “الدواوين الست” “للشيخ إبراهيم انياس” من دون أن يطّلع على اسم الكاتب لخُيّل إليه أنّ الكاتب إنما هو رجل عربيّ عاش في الزمن الجاهليّ بلغته الكلاسيكية، أو في الزّمن العباسي بمعانيه العباسية. ولعلّ التكوين العلمي هو السّبب، فالكتب التعليمية التي كان السنغالي يتشربّها كانت بعيدة عن المجتمع السنغالي، والأشعار التي كان يدرسها الشاعر السنغالي لا تتعدى العصر العباسي، ولعل أوّل كتاب سنغاليّ اعتمِد للتدريس كان هو “المقدّمة الككية” الذي أُلّف في “النحو” عند نهاية القرن الثامن عشر، ثمّ لا يعني أنه راعى البيئة السنغالية فيه، مما يعني أنه كان من الصعب جدا أن يوجد شعراء سنغاليون يتميّزون بأدب يحمل طابعا سنغاليا، بحيث يمكن لمس مزاياه وخصائصه. لكن كل هذا لا يعني أن القوم كانوا جامدين لم يحاولوا الانعتاق من المألوف، فقد ابتكر طائفة منهم، حين جاءوا بمعاني جديدة وأوزان جديدة لكن بلغة قديمة، وبغياب طاغ للثقافة السنغالية، اللهم إلا في بعض المساجلات التي كانت تقع بين الشعراء كالمساجلة الشهيرة بين “الشيخ أحمد بمبا” و”القاضي مجخت كل” حيث نلاحظ استعمالا للغات المحلية في ثنايا القصيدة.

المرحلة_الثانية:

وفي النصف الثاني من القرن العشرين برز شعراء سنغاليون ينزعون إلى التجديد، صحيح أنهم ابتدؤوا بعض أشعارهم بالمقدمة الطللية، مع إهمال الوحدة العضوية، لكنهم حاولوا توظيف الأسماء السنغالية، والإسهام في واقعهم، واستنطاق بيئتهم، إضافة إلى تخليد بعض الوقائع بأشعارهم، كالشاعريْن المفتّشيْن: “شيخ تيجان غاي” و”محمد الأمين عاج”…. في فترة كان الأدب الفرنسي السنغالي يسلك طريقة سريعة نحو التقدّم والعالمية، حيث جاوزوا فن “ليوبولد سيدار سنغور” وطرقوا الفن الروائي، فتألقوا فيه، ترجمت أعمالهم إلى لغات متعددة، ولعل “المغامرة الغامضة” و”الرسالة الطويلة” حين تخطتا حدود العالمية، أسهمتا كذلك في إيقاظ الأقلام، وفي كسب احترام النقاد العالميين. بيد أن الأدب العربي ظلّ يرسف تحت قيود التقليد ويمشي بخطى بطيئة يغازل الشعر ويتشبث به من دون أن يطرق باب القصص. لكن لا يعني كل هذا أن القوم لم يكونوا يهتمون بالنثر؛ فقد كانت هناك خطب نثرية قوية، ورسائل جزلة، وتقريرات كذلك جميلة.
وإذا نظرنا إلى تطور الأدب وولادة المدارس الأوربية التي أثرت في الأدب العربي والمصري، الذي كان من المحتمل أن يَطال الكاتب السنغالي؛ بفضل الوشيجة العلمية والأدبية التي كانت تربط القاهرة بالسنغال، وبميلاد المدراس الأدبية المصرية الشهيرة، نجد أن الكاتب السنغالي ظلّ محافظا، اللهم إلا في بعض اللقطات التي كانت تنفلت من بعض الأقلام السنغالية، بيْد أنها لم تحاول اكتشاف الأجناس الأدبية التي اكتشفها الكاتب المصري والعربي…وقد تعود هذه المحافظة وهذه الحبوة الأدبية إلى توجّه الكاتب السنغالي إلى الشعر للاحتفاظ بالتراث الشعري السنغالي من جهة وللإمساك بتلابيب اللغة من جهة أخرى، إضافة إلى قلة إنتاج المثقف السنغالي بالعربية، واعتماد اللغة العربية وسيلة للتعمق في الدين.

المرحلة_الثالثة:

لقد أخذ الشعر العربي في القرن الحادي والعشرين يحبو ويكبر إلى أن أخذ يتعاطاه الشاعر السنغالي الشاب “بابا آمادو فال” وإلى أن استطاع أن ينافس الشعر العربي الحديث، حيث تألق الشاعر “محمد الأمين جوب” في “مسابقة أمير الشعراء” وأخذ بشعره يجذب انتباه الجماهير العربية ويبهرهم، كما صدرت دواوين حديثة تكاد تنافس الدواوين الشعرية في العالم العربي، كالذي أصدره كل من “الكجوري” و”الدكتور محمد انيانغ” و”حماه الله صو” و”عبد العزيز لوح”، إضافة إلى المسابقات الشعرية العالمية التي تألق فيها السنغاليون من أمثال الشاعر “انجوغو انجينغ” وغيره.

الأجناس_الجديدة:

هذا وقد برزت أقلام جديدة في القرن الحادي والعشرين لتطرق الأجناس الجديدة كالرواية مثلا؛ حيث أصدر الروائي المهندس أبو بكر انجاي روايتين، ولعل قصته القصيرة الحائزة على “جائزة أفرابيا” تكون العمل السنغالي الأول الذي تخطى حدود العالمية في الفن القصصي المكتوب بالعربية؛ ويلاحظ أن العملين الأولين كانا يتسمان بكلاسيكية صارخة؛ في لغتها وأسلوبها وسردها وحبكتها، وإن كانا واقعيَّيْن من حيث تناولهما الأحداث التي تمس بالمجتمع السنغالي أو العربي أحيانا… مثلما تطرّق بعض الأقلام إلى السيرة الذاتية، لكن معظم الأعمال التي كتبت في هذا الفن لا ترقى لتستحق أن تحسب من السيرة الذاتية؛ فالأسلوب الذي استعمله “الدكتور خديم امباكي” في ” من وحي السبعين” لم يكن راقيا، حيث يشبه الأسلوب التقريري، إضافة إلى غياب اللغة الأدبية والافتقار إلى خصائص السيرة الذاتية، والرواية التي صدرت حديثا بعنوان “وأخي موسى” تكاد تجعل القارئ في حيرة من أمره فلا يدرك أيقرا سيرة ذاتية أم سيرة غيرية، إضافة إلى غياب آليات ذلك الجنس الأدبي واتسام الطبعة بأخطاء مطبعية لا تليق بكتاب أدبي، ويلاحظ في الأعمال النثرية تشابها صارخا بين لغة الفكر ولغة الكتابة، ذلك أن التعبيرات كانت في بنيتها وتركيبها تشبه كثيرا أساليب اللغات المحلية. هذا وقد ظهرت الرواية التاريخية لتسهم في بلورة الأدب السنغالي العربي من جهة، ولنشر التاريخ والثقافة السنغاليّيْن من جهة أخرى، ويذكر على سبيل المثال “على آثار القوم” و”رحلة إلى الشيخ أحمد بمب -طول الله عمره-” وهما روايتان رائعتان في رسالتهما، لكنهما -رغم تفاوتهما- كذلك لم تسلما من بعد جذري عن الخصائص والآليات. ولم ترقيا إلى مستوى سلسلة الروايات التاريخية التي كتبت باللغة الفرنسية تحت عنوان: العظماء الأفارقة” ولا إلى كتابات المغربي “عبد الإله بن عرفة”

دورالنظام التربوي

وفي خضمّ هذه المبادرات الرائعة يظل النظام التربوي يعتمد على القَصَص المصري والعربي في صدد تعليم الأدب وتقييمه، ولعل في تبني هذه الأعمال السنغالية، أو في الاقتباس من بعضها، خدمة للأدب السنغالي وتحفيزا للأقلام الشابة، لكن رغم أهمية تبني الأعمال السنغالية فإن على أصحابها كذلك أن يصقلوا أقلامهم لترتقي ولتنافس الأعمال الأدبية العالمية.

دورالكيانات الأدبية

لقد شهدت السنغال قيام نواد أدبية أسهمت في تشجيع الأقلام الأدبية إلى أن حمل الشعلة “نادي السنغال الأدبي” الذي نظّم أمسيات شعرية، وعملت على مرافقة الشعراء إلى المشاركة في المهرجانات الافتراضية، وإلى تقديم أشعارهم إلى بلد مليون شاعر، بيد أن هذا فقط لا يكفي لدفع عجلة الأدب السنغالي؛ ذلك أن الأدب لا يقتصر فقط على الشعر، بل أكاد أدعي بأن القَصَص ليس بأقل أهمية من الشعر في الصعيد العالمي وفي تصوير الثقافة السنغالية والتناغم مع واقعها، فالشعر ضيق وغيور، ليس يحتمل ولا يستهدف إلا القليل، إذا قارنّاه بالقصة والرواية؛ ثم إن هذه الرمزية الطاغية التي تلوح في الأفق قد تضيّق خناق الشعر وتقلل من جمهوره ليصبح أرستقراطيا بامتياز؛ حيث لا يكاد معظم القراء السنغاليين يفهمونه إلا القليل منها، إضافة إلى ما أشار إليه “الدكتور إحسان عباس” في كتابه “اتجاهات في الشعر العربي المعاصر” من أن توظيف التراث الشعبي الأفريقي -رغم أهميته- يكاد يكون عائقا على الشاعر الأفريقي؛ لا سيما حينما يكون القارئ العربي كسولا لا يحاول معرفة ما يعنيه الشاعر من هذه الكلمات التي يوظفها، أو تلك القناعات التي يتقمصها، مما يجعل الشاعر السنغالي الحداثي يضطر إلى أن يكتب شعرا عربيا بحتا من دون أن يلجأ إلى أفريقيته مراعاة للقارئ العربي الذي قد لا يفهمه، ومن هنا أرى وجوب مراعاة الهوية الأفريقية في الشعر العربي الحديث، كما أرى أهمية الاعتناء بالقصة، لتسد التقصير الذي قد يعتور الشعر لطبيعته.

جهود_فردية

ومن الجدير بالذكر أن الشعر العربي أصبح تلك الفتاة التي يخطبها كل الشباب، بفضل تألق السنغاليين المذكورين وبأسباب أخرى. ولعل (مجازات) المسابقة الشعرية التي نظمها قناة “توحيد تيفي” بمبادرة من الشاعر “عبد الأحد الكجوري” خير دليل؛ إذ برز في المسابقة شعراء يتسمون بلغة شعرية قوية وبأسلوب أخاذ، وكلهم لو حظي بمرافقة موفقة يستطيع أن يكون قامة شعرية شامخة. مثلما نجد في المسابقة الأدبية التي أتت بمبادرة من “الشاعر محمد بوسو” إقداما كبيرا إلى كتابة القصة، مثلما نلمس من أكثرهم روحا روائيا وخيالا واسعا، لكن يلاحظ كثيرا افتقار الكتّاب إلى آليات القصة واعتمادهم كثيرا على المعايير الكلاسيكية، مما يعني وجود فراغ هائل ينتظر من يسده في هذا الفن.
ويتجلى دور النوادي الأدبية في خلق فرص للكتابة باقتراح مسابقة سنوية للقصة القصيرة و الرواية وبإصدار الرواية الفائزة باسم النادي مثلا، والسعي إلى تبنيها في النظام التربوي، كذلك بمحاولة تنظيم دروات في هذه الفنون. ولقد كانت “مجموعة أخبار السنغال” قد بدأت مبادرة رائعة في تحفيز الكتّاب، غير أنها لم تلبث حتى تركتها.
وفي الختام يبقى على الكتّاب هم الآخرون أن يحفزوا القراء على نقد أعمالهم ودراستها بحرية وجرأة طافحتين، لأن في ذلك إحياء لأعمالهم، بيد أننا نلاحظ إحجاما وصمتا مؤسفيْن تجاه قراءة الأعمال الأدبية ونقدها، مما يقف حاجزا ضد حياة الكتب من جراء الحرص على حياة الكاتب.

عمر لي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock