الدين و الترييةالسياسةالعمل والمستجدات

التعاون الإسلامي “الزكاة نموذجا”

التعاون الإسلامي “الزكاة نموذجا”

مقدمة:

إن الإسلام رسالة الله للعالمين قاطبة يأمر في شريعته كل ذي مال أن يُطهِّره بالصدقات والزكاة المفروضة؛ لِما في ذلك من إصلاح، ونشر للمحبة، والتكافل، والتعاون، والعبد يجمع في ماله بين حقين حق العبد كالصدقة وحق العباد كالزكاة يقول الله تعالى مخاطبا نبيه الكريم – صلى الله تعالى عليه وسلم -: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [سورة التوبة: 103] وكما قال: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [سُورة المائدة (2)]، ولا شك أن التعاون على البر والتقوى أصل من أصول الدين، تجتمع فيه المكارم كلها، وتلتقي عنده جميع أصول الأخلاق، وتجتمع عليه جميع القلوب المؤمنة، وهو الأساس الذي ينبغي أن يتعامل الناس عليه فيما بينهم، لأن ديننا الإسلام الحنيف حريص على أن يجعل المسلمين أمةً واحدة يتكافل أفرادُها فيما بينهم، ويتعاون بعضُهم مع بعض، القوي يستخدم قوته لنصر الضعيف، والغني يجعل غناه في قضاء حاجة الفقير.

وقال بعض العلماء: “إن الظروف الراهنة التي يعيشها العالم أجمع نتيجة انتشار فيروس «كورونا» توجب على جميع المنتجين والتجار التعاون مع الناس، والتخفيف عن الفقراء ومحدودي الدخل، بتقليل الأرباح وعدم حبس ما لديهم من سلع غذائية ومطهرات ومعقمات وغيرها”. والطريقة المريدية تحض الناس على التعاون والتكافل بين أفراد المجتمع وتشجع على التسامح والتعاطف، ولأجل ذلك نود أن نعالج موضوعا مهما تحت عنوان: (التعاون الإسلامي: الزكاة نموذجا).

* بيان مفهوم التعاون:

التعاون في اللغة: التعاون مأخوذ من الفعل عاون ومصدره العون بمعنى ساعد، فالتعاون هو المساعدة وتكاتف الجهود، ومنه تعاون القوم أي: أعان بعضهم بعضا.

ويقول العلامة الدُّكتور مُحمد بكر إسماعيل – رحمه الله تعالى – في تعريفه: “والتعاون هو: العون المتبادل بين الإنسان وأخيه فيما يعود على كل منهما بجلب النفع ودفع الضرر”. [ينظر: وصايا الرسول – صلى الله عليه وسلم – وأثرها في تقويم الفرد وإصلاح المجتمع، للدُّكتور/ مُحمد بكر إسماعيل، طبعة دار المنار للطَّبع والنَّشر والتَّوزيع، الجزء الأول، الطبعة الأولى: 1419 ه‍ = 1999م، ص: (368)]

والتعاون في الإسلام هو: أن يعينَ بعضُ المسلمين بعضًا؛ قولاً وفعلاً، كما عرَّف به الشيخ عبد الرحمان السعدي: “الإعانة هي: الإتيان بكل خَصلة من خصال الخير المأمور بفعلها، والامتناع عن كل خَصلة من خصال الشر المأمور بتركها، فإن العبد مأمور بفعلها بنفسه، وبمعاونة غيرِه من إخوانه المؤمنين عليها، بكل قول يبعث عليها، وينشط لها، وبكل فعل كذلك وكل معصية وظلم يجب على العبد كفُّ نفسه عنه، ثم إعانة غيره على تركه”. [ينظر: كتاب (تيسير الكريم الرحمان في تفسير كلام المنان)، للشيخ عبد الرحمان السعدي، ص: (218)].

ولا يخفى على اللبيب أن التعاون قد يكون بقضاء حوائج المسلمين ونفعهم بما يتيسَّر مِن عِلْم أو مال أو معاونة أو إشارة بمصلحة أو نصيحة أو غير ذلك.

* بيان مفهوم الزكاة:

تعريف الزكاة لغة:

تطلق الزكاة في اللغة على عدة معان ومنها: النماء والبركة والزيادة والطهارة. كما قال ابن فارس: “والأصل في ذلك كله راجع إلى هذين المعنيين، وهما: النماء والطهارة”.[مقاييس اللغة 3/17.].

الزكاة اصطلاحا:

وأما الزكاة اصطلاحا فهي: “إخراج جزء مخصوص، من مال مخصوص، بلغ نصابًا، لمستحقه، إن تم الملك، وحال الحول”. [ينظر: جواهر الإكليل 1/118].

* مجالات التعاون الإسلامي:

إن مجالات التعاون الإسلامي تكون منحصرة في البر والتقوى، ولا تكون في الإثم والعدوان كما بيَّنه الله تعالى حين قال: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [سورة المائدة: 2].

والتعاون يكون بين أفراد المجتمع بأشكال مختلفة.

– أهمية التعاون في الحياة:

1- التعاون مظهر عملي للإخاء والتراحم:

ولله در الإمام القرطبي – رحمه الله تعالى – حين قال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [سورة المائدة: 2]: هو أمر لجميع الخلق بالتعاون على البرِّ والتقوى؛ أي: لِيُعِنْ بعضُكم بعضًا، وتحَاثُّوا على أمر الله – تعالى – واعمَلوا به، وانتهوا عما نهى الله عنه، وامتنعوا منه، وهذا موافق لِما روي عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: ((الدالُّ على الخير كفاعله))، وقد قيل: الدال على الشرِّ كصانعه، والتعاون على البر والتقوى يكون بوجوه؛ فواجبٌ على العالِم أن يعين الناس بعلمه فيعلِّمهم، ويعينهم الغني بماله، والشجاع بشجاعته في سبيل الله، وأن يكون المسلمون متظاهِرِين كاليد الواحدة”. (الجامع لأحكام القرآن، 6/46-47).

وقال الحافظ ابن كثير – رحمه الله تعالى -: “يأمر تعالى عباده المؤمنين بالمعاونة على فعل الخيرات، وهو البرُّ، وترك المنكرات وهو التَّقوى، وينهاهم عن التَّناصر على الباطل، والتَّعاون على المآثم والمحارم”.((تفسير القرآن العظيم)) (2/12)

وقد قال النَّبيُّ المجتبى – صلَّى الله عليه وسلَّم -: “المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدُّ بعضه بعضًا”. (رواه الإمام البخاري (481) و مسلم (2585).

يقول ابن بطَّال – رحمه الله تعالى – في معنى هذا الحديث: (تعاون المؤمنين بعضهم بعضًا في أمور الدُّنْيا والآخرة مندوبٌ إليه بهذا الحديث). ((شرح صحيح البخاري)) (9/227).

وعن ابن عمر – رضي الله عنه – أنَّ النَّبيَّ – صلى الله عليه وسلم – قال: “مَن كان في حاجة أخيه، كان الله في حاجته، ومَن فرَّج عن مسلم كربةً، فرج الله عنه كربةً مِن كربات يوم القيامة، ومَن ستر مسلمًا، ستره الله يوم القيامة”. رواه البخاري (2442) ومسلم (2580).

يقول الحافظ ابن حجر – رحمه الله – : (في الحديث حضٌّ على التَّعاون، وحسن التَّعاشر والألفة).((فتح الباري)) لابن حجر (5/97)

2- ضرورة التعاون الإسلامي:

يقول بعض العلماء: (إنَّ الإنسَان مَدني بطَبعه لا يستطيعُ أنْ يعيش وحده بمَعزل عن بني جنسِه”. أي: لا يستطيع الإنسان أن يعيش حياته بلا تعاون من أبناء الجنس البشري من حوله.

فالطبيب يحتاج إلى العامل، والعامل يحتاج إلى المهندس، والمهندس يحتاج إلى السباك. كما إن القائد يحتاج إلى شعبه، والشعب يحتاج إلى قائده، ولهذا فلن يصلح المجتمع إلا بعد أن تسود صفة التعاون بين أفراده.

3- التَّعَاون مظهر من مظاهِر الوحدة:

لقد كان الشيخ الخديم – رضي الله عنه – يُوصي أصحابه الكرام كثيرا بالتحلّي على مكارم الأخلاق وتقوى الله العظيم، واقتفاء سنة نبيه الكريم، وبالتعاون على البر والتقوى والخيرات مع جميع المسلمين في كافة أنحاء العالم، والتكافل بين أفراد المجتمع ويشجعهم على التسامح والتعاطف، وكما كان يُجنبهم من جميع المناهي والمنكرات عملا بقوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [سُورة المائدة (2)]. والله تعالى في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.

وقال في مَعرض الحثِّ والحضِّ عَلى التّعاونِ بالبرّ والخَير فِي منظومته “منور الصدور”:
وخَالط المُؤمن بالتعاوُن = أمَّا عَلى الأذى فلا تُعاونِ

وقال في وصيتهِ قبيل غيبتهِ البحريةِ: “وإن أتاكُم الأخ المُسلم لحاجة فابذلُوا جُهدكم في إعانتِه؛ فإنَّ خيرَ الناسِ من يُعين المُسلمين وينفعهُم”.

4- عَدم التعاون يُوجبُ الحجَاب بينَ العبْد وبين ربِّهِ:

بيَّن الشيخ الخديم – رضي الله عنه وأرضاه – أضرار عَدم التعاون موضحا أنه يُوجبُ الحجَاب بينَ العبْد وبين ربِّهِ عز وجل، حيث قال: “إنَّ التباغُض والتحاسُد وعدم التَّعاون بين النّاس مِن أهمِّ الأسباب الجالبة إلى وجُود جُجبٍ بَين العبد وبين ربِّه”. [الضيافة الصّمدية، ص: (37)]

وقال أيضا:
ولا تَباغَضُوا ولا تَحاسَدُوا = وفِي الذي يُنمي الهُدى تعاضَدُوا
ولا تنازَعُوا فإنَّ الدُّنيا = طالبُها ليسَ يرُمُّ سعيًا

وقال في شَرح هَذين البيتين: “التباغُضُ والتحاسُد وعدمُ التعاونِ والتعاضُد مما يُوجبُ الحجابَ بين الله تعالى وبين عبده، والمنازعة في أمر الدنيا مما يفسد عمل الآخرة، ومن أفسد في الدنيا أعمالَه النافعةَ فليس ينتفعُ في الآخرة أبدا. والله الموفّقُ للصَّواب”. [المجمُوعة الكبرى، ص: (93 – 94)]

وقال – رضي الله عنه وأرضاه – في وصيتهِ للإخوانِ:
وَمَنْ كَانَ ذَا مَالٍ كَثِيرٍ وَلَمْ يَكُنْ = مُعِينًا لِذِي فَقْرٍ فَأَعْجِبْ بِهِ غُمْرَا
وَمَنْ كَانَ مِعْوَانًا لِذِي الضُّعْفِ وَالْجَوَى = وَلَمْ يَكُ ذَا عُجْبٍ فَأَكْرِمْ بِهِ بَرَّا

5- حرمة الربا والاحتكار يقضي على التعاون:

فقد حرم الله تبارك وتعالى الربا والاحتكار في الأديان لضررهما الكبير، ولأنهما يربيان الإنسان على الكسل والخمول، ولِما فيهما من استغلال القويِّ للضعيف، ويسببان العداوة والبغضاء بين الأفراد، ويقضيان على روح التعاون الإسلامي فالاحتكار ورفع الأسعار وقت الأزمات جريمة شرعية واقتصادية.

* الزكاة نموذج من التعاون الإسلامي:

إن الشريعة الإسلامية تأمر بالزكاة وتجعلها أحد أركان الإسلام الخمسة، وهي مقترنة بإقامة الصلاة في أكثر مواضعها التي ذكرت في القرآن الكريم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [سورة البقرة: 277].

وكما أمر الإسلام بالصدقة فضلاً عن الزكاة، وحث على الإنفاق، والتخلص من البخل، فكل مال للصدقة لا يضيع ولا ينقص، بل هو عند الله تعالى ينمِّيه ويزيده، حيث قال: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ [سورة التغابن: 17]

وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: ((ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله))[أخرجه مسلم برقم: 4689 – باب استحباب العفو والتواضع]. وعنه أيضًا قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : ((مَن تصدَّق بعدل تمرة من كسب طيِّب، ولا يقبل الله إلا الطيب، فإن الله يقبلها بيمينه، ثم يُربِّيها لصاحبها كما يُربِّي أحدكم فَلُوَّه حتى تكون مثل الجبل))[أخرجه البخاري برقم: 1321 – باب الصدقة من كسب طيب].

وقال العبد الخديم – رضي الله عنه – في نظمهِ (الجواهر الحسان في تحقيق معرفة أركان الإيمان):
إسْلامُكمْ: ذِكرٌ، صَلاةٌ، صَومُ = حَجٌّ جهادٌ، قد حَكاهُ القَومُ
معَ الزَّكاةِ، والجَميعُ خمسهْ = معَ الجهادِ، وأضاؤوا شَمسَهْ

[ديوان العلوم الدّينية، الرابطة الخديمية، دار الأمان للنشر والتوزيع، ص: (148)]

وقال – رضي الله عنه – في نظمهِ (الجواهر الحسان في تحقيق معرفة أركان الإيمان):
إسْلامنا ذِكرُ العَلي بالهَيللهْ = وخَتْمُها بذكرِ من قد فضَّلهُ
وبصيَامِ رمضانَ الأعظَمِ = الفائِقِ المُكرَّمِ المُعظَّمِ
وبِصَلاةٍ وبِحجٍّ وَجِهادْ = وبالزَّكاةِ، لِي كلٌّ في الجِهادْ

[المصدر نفسه، ص: (156)]

وقالَ – في وصيتِه المسماة بـ “طريق الفوز ومَحو الحُوب جَواب أخينا مُحمد جوب”:
أقِمْ صَلاةَ الفَرضِ بِالتَّنفُّلِ = وصُمْ وَزكِّ بَعدَ عِلمٍ مُكْمِلِ

وكما قالَ ناهيا عن البُخلِ وآمرا بإخراجِ الزَّكاةِ:
نابِذَ بُخْلٍ للزَّكاةِ مُوتيَا = وَبالعُهود والعُقودِ مُوفيَا

وقال – رضي الله عنهُ – مُخاطبا النَّصارى ذوي التثليث المغضوبين عَليهم واليهود الضالين وكل مَن نحَا نحوهم في قصيدَتهٍ الجهادية المسماة بِـ(ليس البر):
زكُّوا الذِي مِنْ فضَّةِ وذَهبْ = كَنزتمُ قبْل العَنآ والعَطبْ

ومعنى قوله مُقتبس مِن قول الله تَعالى:{وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ} [سوره التوبة: 34]

* مقاصد الزكاة في دين الإسلام:

مقاصد الزكاة بالنسبة للمزكّي والآخذ:

1- الزكاة تُطَهر صاحبها من الشُّح وتُحرِّرُه من عُبوديَّة المال:

الزكاة تُطَهر صاحبها من الشُّح وتُحرِّرُه من عُبوديَّة المال، وهذان مَرضان من أَخطر الأمراض النَّفسية التي يَنحطُّ معها الإنسان ويشقى، ولذلك قال تعالى: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِه فأولئك هُمُ المُفلِحُون} [سورة الحشر: 9]، وقال النبي – صلى الله عليه وسلم – : “تَعِسَ عَبدُ الدِّرهَم، تَعِسَ عبد القَطيفَة…”. (رواه البخاري)

2- الزَّكاة تدريبٌ على الإحسان والإِنفاق في سَبيلِ الله:

الزَّكاة تدريبٌ على الإحسان والإِنفاق في سَبيلِ الله، وقد ذَكر الله تعالى الإِنفاق في سَبيل الله على أنَّه صفةٌ ملازمة للمتَّقين في سرّائهم وضَرّائهم، في سِرّهم وعَلَنهم، وَقَرنها من أَهمّ صفاتهم على الإِطلاق… قَرنها بالإِيمان بالغيب والاستغفار بالأَسحار، والصَّبر والصدق، والقُنوت، ولا يَستطيع الإِنسان الوصول إلى الإِنفاق الواسع في سَبيل الله، إلاّ بعد أن يعتادَ أداء الزكاة، وهي الحدّ الأَدنى الواجب إنفاقه.

3- الزَّكاة شكرٌ لنعمة الله، وعلاجٌ للقلب من حُبِّ الدنيا، وتزكية للنفس:

الزَّكاة شكرٌ لنعمة الله، وعلاجٌ للقلب من حُبِّ الدنيا، وتزكية للنفس. قال تعالى: {خُذْ من أموالِهم صَدَقةً تُطَهِّرهُم وتُزكِّيهم بها} [سورة التوبة: 103]، كما أنّها تزكية للمال نَفسه ونماءٌ له، قال الله تعالى: {وما أَنفَقْتُم مِن شَيْءٍ فهُوَ يُخلِفه وهو خَير الرَّازقين} [سورة سبأ: 39]

4- وسلية لمكافحة الفقر وللتضامن مع الضعفاء:

تعتبر الزكاة أيضا من أهم الوسائل لمكافحة الفقر وللتضامن مع الضعفاء، فقد قال النبي – صلى الله عليه وسلم – لمعاذ بن جبل – رضي الله عنه – حين أرسله إلى اليمن : «أخبرهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتردُّ على فقرائهم» (أخرجه البخاري ومسلم).

5- الزَّكاة تطهِّر آخذها من داء الحَسد والبَغضاء:

لا شك أن الزَّكاة تطهِّر آخذها من داء الحَسد والبَغضاء؛ لأن الإِنسان الفقير المحتاج حين يرى مَن حوله من النّاس يَعيشون حياة الرَّخاء والتَّرف، ولا يَمدُّون له يَد العون، فإنَّه قلما يَسلم قلبه من الحسد والحقد والبغضاء عليهم وعلى المجتمع كله. وهكذا تنقطع أواصر الأخوة، وتذهب عواطف المحبة، وتتمزق وحدة المجتمع.

وقال النبي – صلّى الله عليه وسلّم -: “حَصّنُوا أموالكُم بالزكاة، ودَاووا مرضاكم بالصَّدقة، وأعدُّوا للبَلاء الدُّعاء”. [يراجع: مسند الشّهاب (401/1)، المعجم الكبير، (128/10)، شعب الإيمان، (282/3)] وفي الحديث رواية أخرى.

وهذا معنى قول شيخنا الخديم – رضي الله عنه -:
وَالأمرُ بالتَّحْصِينِ والإعْدادِ = وبالمُداوةِ حَديثٌ بادِ

ويقول الدكتور يوسف القرضاوي – حفظه الله ورعاه – في توضيح مقاصد الزكاة: “وهي – أي الزكاة – نظام خُلُقي؛ لأنها تهدف إلى تطهير نفوس الأغنياء من دنس الشح المهلك، ورجس الأنانية الممقوتة، وتزكيتها بالبذل وحب الخير، والمشاركة الوجدانية والعملية للآخرين. كما تعمل على إطفاء نار الحسد في قلوب المحرومين الذين يمدون أعينهم إلى ما متع الله به غيرهم من زهرة الحياة الدنيا، وإشاعة المحبة والإخاء بين الناس”. [يوسف القرضاوي، فقه الزكاة، ج: 2، ص: (633)].

* مراعاة الآداب عند إخراج الزكاة:

قال الشيخُ الخديم – رضي الله عنهُ وأرضاه – في منظومتهِ “تزود الصّغار” وهو يذكر الآداب التي يَنبغي مُراعاتها عند إخراج الزكاة:
ثُمَّ لَهَا قَدْ ذَكَرُوا آدَابَا = ثَلَاثَةً تُحَصِّلُ الثَّوَابَا
وَهِيَ طِيبُ النَّفْسِ فِيهَا ثُمَّ أَنْ = تَكُونَ مِنْ وَسَطِ مَالٍ حَيْثُ عَنّْ
ثَالِثُهَا السِّتْرُ عَنِ الْعُيُونِ = خَوْفَ الرِّيَآ الْمُفْضِي لِعَيْبِ الدِّينِ

وجُوبُ الإخلاصُ أثناءَ إخراجهَا:

قال الشيخُ الخديم – رضي الله عنهُ – في منظومتهِ “مليِّن الصُّدور”:
لا ينفعُ الحَجُّ ولا الصَّلاةْ = مَع الرِّياء لاَ ولاَ الزَّكاةْ
لا تَقصدُن غَير رَبِّ الطَّوْل = في كُلِّ سَعي مَع كلِّ قَوْلِ

* مصارف الزكاة في الإسلام:

حدَّد لنا دين الإسلام مصارف الزكاة في كتاب الله الكريم وفي مقدمة مستحقيها الفقراء والمساكين، حيث قال الله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيم} [سورة التوبة: 60].

وقال الشيخُ الخديم – رضي الله عنهُ – مُبيِّنا مَصارفها فِي منظومتهِ “تزوُّد الشُّبان”:
وهِيَ تُصرَفُ إلَى ثَمَانِ = عَدَدُهُم قَدْ جَاءَ فِي القُرآنِ
ذِي الفَقرِ والمِسْكينِ ثُم العَاملِ = مُؤلَّف القَلبِ كمَا فِي الكامِلِ
وفِي الرِّقابِ ولغَارمٍ وفِي = سَبيلهِ وابْنِ السَّبيل يقتَفِي

* مشروع “كَرْ أَسَكَيِ kër assaka yi” بمدينة طوبى المحروسة:

يقول الدكتور سرين شام بوسو عبد الرحمان – حفظه الله تعالى ورعاه – منوها بمشروع وانطلاق كَرْ أَسَكَيِ kër assaka yi” بمدينة طوبى المحروسة: ” في يوم السبت العشرين من شهر نوفمبر 2021م نظمت جمعية طوبى تياكنم (touba ca kanam) حفلة بمناسبة انطلاق “كَرْ أَسَكَيِ kër assaka yi” أو بيت الزكاة الذي أمر الشيخ محمد المنتقى امباكي الخليفة العام للطريقة المريدية بتأسيسه، وعَهِد شأنَ تسييرِه لجمعية طوبى تيَِاكَنَمْ”.

ثم أضاف بعد ذلك قائلا وهو يبين الغايات المرسومة لهذا المشروع: “يسعى «كَرْ أَسَكَيِ» إلى تحقيق غايات سامية، من شأنها تحقيق المقاصد الشرعية لهذا الركن العظيم ومن أهمها:

• الإسهام في تحقيق المقاصد الشرعية من الزكاة.

• تسهيل عملية إخراج الزكاة للمسلمين.

• تسهيل توزيع الزكاة على مصارفه.

• بث روح التضامن والتراحم في المجتمع.

• ضمان الشفافية في تدبير أموال الزكاة”.

وأبرز مهام كر أسكي يتخلص فيما يلي:

– توعية المسلمين بأهمية إخراج الزكاة بالطريقة التي تحقق مقاصدها الشرعية.

– مساعدة المسلمين على إخراج الزكاة وقفا للشروط والضوابط التي حددها الشرع.

– جمع الزكوات وتدبيرها بشفافية.

– تنظيم عملية توزيع الزكوات على مصارفها الشرعية بشفافية”.

* الشيخ الخديم – رضي الله عنه – واهتِمامه بتَوزيعِ الزَّكاة:

ولا يخفى عليكم أن الشيخ الخديم – رضي الله عنه – كان يهتم اهتِماما بالغا بتَوزيعِ الزَّكاة في مسجدهِ العتيق بمدينة (جُوربل) حيث قال في هذا المعنى الشاعر الكبير الشيخ سيدي بابا – رضي الله عنهُما – في وصف ذلكَ المسجد وفي مدحهِ:
يُقبلُ النَّاسُ نَحوَهُ بقلُوبْ = جَمعتْ بينَ نِيَّةٍ أشْتَاتِ
فِرقَةٌ تقْصِدُ الصَّلاةَ وأخرَى = إنَّما شَأنها فِي الزَّكاة

خاتمة:

وختاما نقول: إن تنظيم أمر الزكاة وفق المبادئ الإسلامية وأخذها من جميع أصناف الأموال المشروعة، وممن تجب في حقهم، والسهر الجاد على التوزيع العادل لها، سيحقق مستوى عال من التضامن الاجتماعي في بلاد المسلمين قاطبة.

بمرقَم الأخ الباحث سَرين امباكي جوب خضر الطوباوي خريج معهد الدروس الإسلامية ومدرس اللغة العربية فِي معهد الخليل الإسلامي

الجمعة الثالثة من شهر رمضان 1443 هجرية 22 أفريل 2022م

الهوامش:

1- نص المحاضرة التي ألقيتها في جامع غيدي بوسو بطوبى أكاديمية الشيخ امباكي بوسو للعلوم الشرعية والبحث العلمي التابعة لدائرة سلم الوصول بمناسبة المحاضرات الرمضانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock