السياسةالعمل والمستجدات

القراءة فى زمن الضجيج . عبد الرحمن بشير

القراءة فى زمن الضجيج . عبد الرحمن بشير
………………………. ……………………………
نحن نعيش فى زمن أقل ما يوصف به بأنه زمن لا يجد الإنسان فيه ذاته ، فهو يعيش مع الناس ، وفى الناس ، قد يكون وحيدا فى منزله ، ولكن الناس يزورنه باستمرار عبر التقنية الحديثة ووسائلها المختلفة ، أو يجلس أمام الشاشات المختلفة ، فهو يشاهد حينا برنامجا رياضيا ، أو ترفيهيا ، أو حتى فكريا وسياسيا ، ولكنه يعيش مع الناس ، ويستمع إلى كلام الناس ، ويشاهد تحركاتهم ، ومن خلال ذلك ، فهو يبتعد عن ذاته .

إن الإنسانية ، وخاصة فى الغرب تعيش فى زمن ما بعد ( الإنسان ) ، ربما ، يعيش الإنسان فى لحظات كثيرة وحيدا فى منزله ، فلا يرى إلا كلبة تعيش معها ، أو قطة تسكن معه ، فيخرج من منزله لأجل الكلبة ،أو القطة حتى يمنحهما وقتا للاستمتاع ، ولكنه لا يجد ذاته ولو مرة ، فهو يعيش بعد ذلك مع وسائل التقنية الحديثة ، ومن خلال تلك الوسائل ، يرسل الرسائل ، ويستفسر بعض الأمور ، ولكنه لا يتفاعل مع الآخر إنسانيا ، بل يتفاعل معه آليّا .

فى هذا الزمن بدأ الإنسان ، وبعمق ، يفقد ذاته ، ولهذا فهو يعيش فى أزمة عميقة مع الحياة ، ونحن نعرف أن الإنسان ليس جسدا ، بل هو أعمق من ذلك ، بل ليس الإنسان كائنا مفكرا ، بل هو أعقد من ذلك ، فالإنسان كائن مركب ، ومن خلال التساؤلات يبحث عن ذاته ، ولهذا فهو بحاجة إلى أن يخلو بنفسه ، ويبتعد عن كل المؤثرات ، ويطرح بعمق الأسئلة ، ولكن ليعيش يحتاج إلى تكوين علاقات مع الخلق ، فلا يمكن له أن يعيش وحيدا بين الخلق ، وبعيدا عنهم ، إنها مرحلة تنبئ بخطورة شديدة فى مستقبل الإنسان .

إن القراءة نوعان ، وهي موجودة منذ بدء الحياة لدى الإنسان ، ولكن العبقرية تكمن فى كيفية استثمارهما فى الحياة ، فالكون يحتاج إلى القراءة ، لأنه ليس بسيطا ، بل هو معقد ومركب ، وبه أسرار كثيرة ، ومن هنا فهو بحاجة إلى قراءة نوعية ، وإلى رحلة ذاتية فى هذا الكون ، ويجب علي الإنسان أن يقرأ هذا الكون ، من أين ؟ ولماذا ؟ وكيف يعمل ؟ وهل يعمل ذاتيا ؟ أم يعمل بأمر خارجي ؟فهذه قراءة ، وهي باصطلاح كتاب الله ( النظر ) ، والنظر هنا ليس بصريا فقط ، أي ليس باستخدام العين المجرد ، بل باستخدام أدوات النظر والفحص ( أولم ينظروا فى ملكوت السموات والأرض ) ، ومن هذه القراءة العميقة تتسع مدارك البشر ، فيتوصلون إلى حقائق كونية ، ولكنها مستمرة ، وغير نهائية .

هناك قراءة ثانية ، وهي قراءة السطور ، أي الأوراق المكتوبة ، فالبشر يمتازون عن الخلق بالعقل ، ومن خلال العقل توصل البشر تحويل الرموز إلى كلمات ، والكلام تحول مرة أخرى من النطق إلى رموز تكتب ، فالإنسان كائن يتكلم ، وتلك نعمة كبرى ( خلق الإنسان . علمه البيان ) ، ومن البيان : الكتابة ، أي تسجيل التجربة البشرية ، وتحويلها إلى مادة مكتوبة ، فهذه التجربة الثرية جعلت البشرية تتقدم باستمرار ، ومن أعظم نعم الله تبارك وتعالى التوصل إلى معرفة الأحرف ، والأبجديات ( ن والقلم وما يسطرون ) ، فالحرف إبداع ، وكذلك القلم ، والكتاب ، فلولا الحرف لبقي العلم فى المجهول ، ومن أعظم ما توصل إليه البشر سابقا هو إبداعه للأحرف ، وكذلك القلم الذى يحول المعرفة إلى سطور .

لقد قرأت هذه الآية ( ن والقلم وما يسطرون ) ، ثم تأملت كثيرا ما تحمل هذه الآية من معنى عميق فى التجربة البشرية ، فعرفت بعدئذ أن الحضارة البشرية كلها تتلخص فى هذه الآية ، نحن اليوم نقرأ التاريخ من خلال فك الرموز ، وقراءة التاريخ من خلال هذه الرموز ، لأننا حينئذ نعرف من أين بدأنا المسار ؟ وكيف تقدم هذا الإنسان فى رحلته مع الحياة ؟ وكيف استطعنا الوصول إلى المرحلة التى نعيشها الآن ؟

فى الآية تاريخ وحاضر ومستقبل ، لأن الإنسان لا يمكن أن يعيش اليوم بدون أن يتعامل مع الأحرف ، والقلم ، والكتاب ، فقد يكون الكتاب جلدا ، أو حجرا ، أو عظما ، أو جدارا ، أو كهفا ، وقد يكون الكتاب مكوّنا من أوراق ، وقد يكون الكتاب آلة تقنية كالكمبيوتر ، كل ذلك يمكن تسميته كتابا ، والقرآن استخدم عبارة دقيقة ( وما يسطرون ) ، ولهذا ، فأعظم إنجاز للبشرية يكمن فى الكتاب ، ويوم أن توصل البشر إلى الكتاب ، تحققت بداية الحضارة .

إن الإنسان الذى يعيش بدون قراءة يتجرد من الإنسانية ، فيقترب إلى عالم الحيوانية ، لأن ما يفصل الإنسان عن الحيوان هو العلم ، ولهذا بدأ الإنسان الأول رحلته الأولى من ( العلم ) ، أي من علم بعد جهل ، لأن الله ركَب في هذا الكائن ميزة التعلم ( وعلّم آدم الأسماء كلها ) ، ومن ترك القراءة ، ترك العلم ، ومن فقد العلم ، فقد آدميته .

فى وقت سابق ، تحدثت عن العلاقة بين القراءة والنهضة من خلال قوله تعالى ( اقرأ وربك الأكرم ) فالكرم الرباني مرتبط بمدى انتشار القراءة فى حياة الناس ، وكلما كانت القراءة منتشرة وموجودة فى المجتمع ، كان الكرم الرباني موفورا بين الناس ، لأن الناس من خلال العلم والبحث يعرفون مصادر الرزق المبثوث فى الكون الواسع .

لا نهضة بدون قراءة ، فالقراءة مفتاح للعلم ، والعلم هو الذى يصنع النهضة ، ولهذا أقسم الله فى سورة ( نون ) حرفا وأداة الكتابة وهو القلم ، والسطور ، أي الكتاب ( ن والقلم وما يسطرون ) ، والقسم جاء للدفاع عن رسول الله عليه الصلاة والسلام ، والذى وصفته قريشا بالمجنون ، لأنها لم تفهم لغته الفكرية ، ورسالته النهضوية ، ومن هنا نعتوه بالجنون ، فقال تعالى ( ما أنت بنعمة ربك بمجنون ) ، ومن خلال الآيتين نعرف أنه بالقراءة المنهجية ، والبحث العلمي المحايد عظمة شخصية النبي محمد ، ونتوصّل إلى معرفة قيمة رسول الله عليه الصلاة والسلام .

قرات سابقا أن السيد العلامة الندوي رحمه الله يقرأ يوميا أكثر من تسع ساعات ، ويكتب يوميا أكثر من ثلاث ساعات ، فهو يأخذ أكثر مما يعطى ، ولهذا تجد لكتبه عمقا ، وسعة ، وكذلك كان روجيه جارودي رحمه الله ، الفيلسوف الفرنسي الذى أسلم فى بداية الثمانينيات من القرن العشرين ، واليوم نجد من بعض الدعاة يتكلمون أكثر مما يقرؤون ، ولهذا نجدهم يكررون انفسهم فى مجالات شتى ، ومن العيب أن يكون العطاء الفكري بدون أرضية قوية ، فالقراءة هي التى تصنع الأرضية الفكرية التى ينطلق منها صاحب الفكر، والرسالة .

أن نقرأ مهم ، ولكن أن نكثف القراءة أهم منها ، وأن نكثر القراءة مهم ، ولكن أن تكون القراءة نوعية أهم ، وأن تكون القراءة شاملة مهم ، ولكن ان تكون مركزة أهم منها ، وان تكون القراءة موسوعية مهم ، ولكن أن تكون القراءة استراتجية أهم منها ، أن نقرأ فى كل يوم جديدا مهم ، ولكن أن نختار ما نقرأ بعناية اهم .

حين تقرأ الشعوب تعرف ما لها وما عليها ، ولكن السؤال ، ماذا تقرأ ؟ هناك شعوب تقرأ كثيرا ، ولكنها تقرأ ما لا يجب قراءته ، إن القراءة تحتاج إلى قراءة ، أي إلى مراجعة ، حينها نعرف كم ضاع من عمرنا من أزمنة ؟ نحن اليوم نحتاج إلى مراجعة شاملة لأجل ان نقرأ من جديد ، من نحن ؟ وماذا نريد ؟ وأين نعيش ؟ ولماذا التخلف؟ وكيف ننهض ؟ وما الفجوة بيننا وبين من يعيش معنا فى الكوكب ؟ ولماذا ثرواتنا منهوبة ؟ كل ذلك يتم فى مراجعات جديدة ، ولا يمكن لنا فعل مراجعات بدون قراءات معمقة .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock