السياسةالعمل والمستجدات

العلامة الحاج امباكي بوسو

العلامة الحاج امباكي بوسو

تعد هذه الشخصية العلمية الفذة من أدنى ثمرات جهود العبد الخديم في التعليم والتربية والترقية، وهذه حقيقة ليست تنكر؛ إذ الأدلة ظاهرة والحجج وافرة. ولَـمْ تتكون هذه الحقيقة بين عشية وضحاها؛ فقد مرت بمراحل أشار إليها ابنه البكر في سطور قليلة مباركة، وأنا سألخصها لكم في ما يلي:

نشأ الحاج امباكي بوسو في حجر والده، وتلقى منه مبادئ العلم؛ ثم لما رأى فيه العبد الخديم ما قد رأى اختاره لنفسه، فسقاه من كؤوس علمه وبركات فيضه، قبل أن يرسله إلى عالم آخر قرأ عليه مطولات بعض العلوم الشرعية واللغوية.
ونتيجة هذه المرحلة ما قاله فيه ابنه البكر في ترجمته: ” إليه انتهت الرئاسة العلمية في عصره”، وقوله:” وكان رضي الله عنه يتكلم في نحو عشرين علما”، وقوله: ” وألف عدة تواليف، واستنبط من علم الميقات نكتا وفوائد لم يسبقه إليه أحد فيما نعلم من أهل عصره”.

ولما كانت التربية جوهر الدعوة الخديمية، فقد تلقى الحاج امباكي من العبد الخديم تربية صوفية يخبرك بها ولده بقوله: ” وأخذ عن الشيخ الخديم رضي الله عنه طريق السادة الصوفية عليهم الرضوان حتى صار أهلا لتربية المريدين وترقيتهم، إلا أنه كان مؤثرا للخمول…”. ويقرب لكم الشيخ محمد البشير الصورة في ” المنن” إذ يحكي عنه هذا الكلام: ” وكان الشيخ لا يقبل لي مفارقته في موضع عزلته، وكان شرابنا في كل يوم أقل من يدين متوسطتين من كسكس يابس، فمكثت معه على تلك الحالة مدة غير قصيرة، ثم أطلقني، فما جاوزت بعد ذلك الحد الذي ألفته إلا وأزعجني المطعوم، فاقتصرت على نحوه؛ فذبل بذلك لحمي ونحفت إلى اليوم ، جزاه الله خيرا…”.
ونتيجة هذه المرحلة ما قاله هو نفسه في ميميته الرائعة البديعة:
هُوَ الْغَوْثُ وَالْـمِغْيَاثُ رَبَّى قُلُوبَنَا وَأَجْسَامَنَا؛ فَالْكُلُّ صَافٍ وَنَاعِمُ

ثم إنه لما اجتمع عنده العلم النافع مصحوبا بالعمل الصالح والأدب المرضي، ارتضاه العبد الخديم عضدا ومستشارا، بل “خليلا وأنيسا”؛ فولاه الإفتاء والقضاء، وإقامة الحدود، وكان يستكتبه أجوبة الرسائل والبراوات بينه وبين الحكومة الفرنسية، ومن أبرز هذه الرسائل تلك التي طُلبت بها رخصة بناء جامع طوبى. وفي ذلك يقول ولده: “….وبالجملة، فقد اتخذه عضدا ومستشارا في المهمات وأبا حسن في المعضلات…”.
ويعلن ولده نتيجة هذه المرحلة بقوله: ” وتوفي الشيخ وهو عنه راض!”

وإلى جانب علمه الغزير الذي أخذه عنه خلق كثير، وأدبه الجم الذي ربى به جمع غفير، كان الحاج امباكي مهتما بشؤون الدولة جريئا على الحق، لا يخاف فيه لومة لائم، حكيما ذا بصيرة ثاقبة، والأدلة على هذا كثيرة، يكفيك منها رسائله الموجهة إلى السلطات المستعمرة والنواب والأمراء، ومن أبرزها رسالة ” لسان الحق يتكلم” التي يبدو لقارئها المتأمل حكمة أبي عذرها وذكاءه؛ فقد أورد فيها بشكل غير مألوف أبعادا مهمة في السياسة النزيهة ظلت الحاجة إليها ماسة في هذا الزمان.

وما هذا كله إلا غيض من فيض بركات العبد الخديم رضي الله عنه.

ويُذْكَرُ الشيخ امباكي بوسو في السادس عشر من محرم في غيدي بوسو… فالله يرحمه ويرضى عنه، ويجزيه عن الإسلام والمريدية والوطن خير جزاء!

إبراهيم بوسو

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock