الدين و الترييةالسياسةالعمل والمستجدات

الحياة مدرسة . عبد الرحمن بشير

الحياة مدرسة . عبد الرحمن بشير
……………………………. ………………………………………
هناك نوعان من البشر ، نوع يقود ، ونوع يقاد ، فالنوع الثاني يعيش فى يومياته ، والنوع الأول يعيش مع عالم الأفكار ، ولهذا تجد فى عالم التغيير من يهتم بالشكليات بعيدا عن عالم الفكر ، ومن يفكر فى تكوين الجمعيات والمراكز بلا أفكار ، وتتحول تلك المراكز بعد قليل إلى جمعيات قبلية ، أو فئوية ، لأنها قامت كردّ فعل ، ولم تتولّد عبر نقاشات فكرية .

لدينا فى هذا الزمن من يقرأ كتابا ، أو كتابين ، ويكون جلّ حديثه حول هذا الكتاب ، أو الكتابين ، وكأن العالم توقف عند هذا الحد من الأفكار ، العالم أكبر من كتاب ، أو كتابين ، ومن هنا يجب على صنّاع الفكر أن ينكبّوا على قراءة الكتب ، ودراسة الأفكار ، ومناقشة النظريات الكبرى ، فالكتب قد تكون حاملة لبعض الأفكار ، ولكنها لا تمثل كل الأفكار ، ومن هنا ، ينبغى الخروج من عالم الندرة فى الأفكار إلى عالم الوفرة .

الناس يخلطون بين الخطبة والمحاضرة ، وهذا نتج من أزمة فكرية فى داخل الصحوة ، فالخطبة كلمة ، والمحاضرة كلمة ، ولكن الخطبة قد تكون فى المسجد ، وقد تكون فى ساحة عامة لأجل صناعة رأي عام ، ومن هنا يجب مراعاة الحاضرين ، فالحضور مختلف ، هناك الصغير ، والكبير ، المتعلم والأمي ، الفقيه ، وطالب العلم ، وكل واحد جاء للإستفادة من الخطبة فى المسجد ، والهدف من الخطبة تكوين فكرة ، وتصحيح مفهوم ، وتعديل سلوك ، ولا بد منها رفع الصوت ، واستخدام الخنجرة لأجل التأثير ، ولكن المحاضرة قد تكون فى مسجد ، وقد تكون فى مركز فكري ، أو فى جامعة ، أو محل آخر ، والهدف منها رفع الوعي ، وإقامة الحجة ، وإقناع الناس بفكرة جديدة ، أو تصحيح رؤية ، أو ترسيخ منهج ، وغير ذلك ، والمحاضر يستخدم كل الأدوات الممكنة فى الإقناع ، أما رفع الصوت ، واستخدام الخنجرة ليسا مطلوبين فى المحاضرة ، بل الطرح المنهجي هو المطلوب .

فى عالمنا الفكري ندرة فى العطاء الفكري ، والذين يتناولون المسائل الفكرية المختلفة متشابهون إلى حد بعيد ، وكلامهم لعقود كثيرة لا يتطور إلا قليلا ، ربما يتطور المتكلم شكلا ، أو مكانة ، ولكن الفكر ما زال كما كان ، ونوعية الخطاب ما زالت كما كانت ، ولهذا تلاحظ عندنا فى الناس عند حضور الخطاب أمرين ، الأول ، عدم الاهتمام بالطرح ، بل ربما يحضر البعض حبا ، أو حياء ، وفى الجانب الآخر نجد عدم الحماس للطرح ، لأنه ليس فيه جديدا ، فقد استنفد الخطاب الدعوي أغراضه ، وربما ليس هذا واضحا للمنشغلين فى المجال الدعوي ، ولكن الذين يتابعون مسار الدعوة يلاحظ ذلك بقوة .

كيف نصنع وفرة فى عالم الأفكار ؟ وكيف ننتج أفكارًا جديدة ؟ وكيف نبدع أفكارًا تستجيب للتحديات ؟ هناك مجال واحد ، وهو القراءة ، ولكن كيف نقرأ ؟ وماذا نقرأ ؟

لدينا من يكثر القراءة ، ولكنه يقرأ نوعا واحدا ، ولونا واحدا ، ويتعامل مع مدرسة واحدة ، ويخاف أن يقرأ للمدارس الأخرى ، فهذا النوع من الناس لا يستحقون أن يكونوا صنّاع فكرة ، بل هم هواة كتب ، والفرق بينهما كبير ، لا بد أولا من عشق لعالم الفكر ، ثم فلا بد من أسفار نحو عوالم الفكر من خلال الكتب ، والكتاب ليس حاملا لفكرة فقط ، بل هو قد يكون حاملا لنظرية فى مجال معين ، فحين تقرأ مثلا لجان جاك روسو ، فإنك تقرأ لنظرية ( العقد الاجتماعي ) ، وحين تقرأ كتاب ( رأس المال ) لماركس ، فإنك تتابع نظرية مختلفة عن الرأسمالية ، وكذلك حين تدرس كتاب ( المقدمة ) لابن خلدون ، فإنك تقرأ نظرية تاريخية جديدة ، لم يسبق إليها أحد ، وهكذا ، ولكن قد تجد كتابا مثل ( السياسة الشرعية ) لابن تيمية ، فإنك تقرأ نظريات فى السياسة ، وأخرى فى المالية ، وثالثة فى القيادة ، ورابعة فى الإدارة ، وخامسة فى الدعوة والتبشير ، وكل ذلك فى كتاب قليل صفحاته ، كث فى معلوماته ، ضخم فى أفكاره ، عميق فى طرحه ، ولكن قبل ذلك ، يجب أن تقرأ الكتاب من خلال جهد كبير فى التفكير المنهجي .

أما بعد ، أقدم نصائح ثلاثة للجيل الصاعد من الصحوة ، أو ما بعد الصحوة :

أولا : عش للفكرة بلا حدود ، وتحرر من عالم الندرة فى المجال الفكري ، فلا تكن إمعة فى الفكر ، استمتع بالحرية بلا سقف ، واعشق الأفكار ، فإنها مفتاح الغد .

ثانيا : عليك بالكتب النوعية ، لا تقرأ للكتب ، لأنها جميلة فى صفحاتها ، أو لأن الكاتب معروف ، فاقرأ الكتاب ، لأنه يحمل جديدا ، أو يتناول صاحبه طرحا عميقا ، أو لأنه يقدم بديلا ، أو لأنه يهدم فكرة خاطئة ، ويصحح شبهة حول نظرية .

ثالثا : استعد للمستقبل بعد أن قرأت ، وناقشت ، وبحثت ، فكّر فى التجاوز ، لا تعش مع التاريخ ، ومع الماضى ، اجعل بعض الناس فى الأرشيف ، انظر إلى المستقبل بلا عقد ، وكن مبادرا فى عالم الأفكار بدون خوف ، فالذين يخافون من الأفكار الجديدة لا يصنعون جديدا ، هم سيبقون كما كانوا ، وسيكتبون كما كانوا يكتبون ، فلا يجدَدون ، ولا يتجدّدون ، ولا يطوّرون ، ولا يتطورون .

إن هذه النصائح الثلاثة فى نظرى مهمة للجيل ، وهم الذين يتفاعلون مع صفحتى ، من القرن الأفريقي ، ومن العالم الإسلامي ، بل ومن خارج العالم الإسلامي ، فالمستقبل لن يكون سهلا ، ولكن يجب الاستعداد لهذا المستقبل الصعب بعالم من الأفكار الوفرة .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock