السياسةالعمل والمستجدات

النفيسي والحركة الإسلامية ، قراءة على القراءة .عبد الرحمن بشير ١-٣

النفيسي والحركة الإسلامية ، قراءة على القراءة .عبد الرحمن بشير ١-٣
……………………………………………………… …. …………………………………………………………………
عشت مع أفكار النفيسي فى زمن ليس بالقصير ، وقرأت كل ما سطّره الرجل من أدبيات ، واستمعت إليه كثيرا فى تحليلاته العلمية ، ورأيت الرجل عظيما فى أفكاره ، وقارئا قديرا فى تأملاته ، وباحثا كبيرا فى أطروحاته ، ومناقشا لقضايا خطيرة تهم الأمة أفرادا ، وجماعات ، ودولا ، بل وتهم مصير الأمة ، ولديه شجاعة نادرة ، وقوة فى النقاش ، وعدم خوف من القول ما يؤمن به ، ويتبنى رأيه بصراحة غير عادية ، فهو من القلائل الذين يجمعون بين قوة الفكر ، وقوة الطرح ، بل ومن الذين يعتقدون بلا حدود الحل الإسلامي ، ولكنه لا يتردد فى البحث عن كيف يكون الحل فى زمن آخر ، فى زمن الدولة القطرية ؟

عشت مع كتابه ( الحركة الإسلامية ، ثغرات فى الطريق ) ، وهو كتاب مهم جدا ، وفيه نقد موضوعي ، وقراءة نفيسة ، ومناقشة مستضيفة لهذه التجربة فى رحلة فكرية مهمة للدكتور معها ، ورأيت الرجل يتحدث عن الأفكار لاحقا فى وسائل الإعلام ، ولكنى لاحظت بأن النقد لا يتغير مع تغير المكان والزمان والحالة والمآل ، ربما ، فى الثمانينيات من القرن العشرين ، وكذلك فى جزء من التسعينيات من القرن المنصرم ، كان هذا النقد مقبولا إلى حد بعيد لوجود مساحة مقبولة من الأنظمة للحريات السياسية والفكرية ، ووجود كتل إسلامية فى الحياة السياسية ، وكانت تلك الكتل تشكو من ترهّل فكري ومنهجي ، ومن فقه سياسي نتج من زمن الانحطاط الفقهي ، وتوقف الاجتهاد ، ولم تحاول الحركة الإسلامية ملء المساحة المتاحة لها ، ولهذا كان لا بد من معالجة الخلل بقوة ، ولكن بعد ظهور الربيع العربي ، ومحاولة إفشال إرادات الشعوب من قبل الأنظمة السياسية محليا وإقليميًا ودوليا ، ومحاربة الجميع للتيار الإسلامي ، يجب أن يكون النقد واسعا ، ومتغيرا ، ومجددا ، فكما نريد للحركة أن تتجدد ، نريد للنقد أن يتجدد ويواكب الزمن ، ويناقش بقوة المتغيرات التى طرأت فى الساحة .

إن القراءة التى يقدمها الدكتور النفيسي فى نقده للحركة الإسلامية قوية ، ولكنها ليست شاملة ، ومهمة ، ولكنها ليست عميقة ، وعندها شجاعة نادرة ، ولكنها لا تتغير مع تغير المكان والزمان ، وهذه هي التى جعلتنى أناقش الموضوع من زاوية أخرى ، فالحركة الإسلامية فى العالم العربي والإسلامي خرجت من رحم المعاناة ، وتريد أن تطرح البديل عن الواقع ، ولكنها تحاول تصحيح الواقع بالفهم الإسلامي الذى جاء من المفكرين والعلماء من الزمن الغابر حتى ما قبل لحظة انبثاق الحركة إلى الوجود ، واستفادت بشكل خاص من ثورية العز بن عبد السلام ، ومن تصوف الغزالي وروحانيته وفلسفته ، ومن منهجية ابن تيمية فى التصحيح والتصويب ، ومن رقائق ابن القيم ، ومن قراءات علماء الأمة سابقا ولاحقا ، واستفادت من تجربة ابن عبد الوهاب ، ومن فقه المقاومة كعمر المختار ، وعبد القادر الجزائري ، وابن باديس ، والمهدي ، وكل ذلك تحول إلى فهم ( شامل ) للإسلام ،فهو عندها دين ودولة ، عقيدة ومعاملة ، اقتصاد وسياسة ، مصحف وسيف ، رؤية ورسالة ، فهو كذلك منهج رباني وإنساني ، خالد وعالمي ، وكل ذلك صار تنظيما غاية فى الدقة فى يد الرجل العملي ( حسن البنا ) الذى استفاد من خبرة عبد الرحمن الكواكبي ، ومن ذكاء الأفغاني ، ومن موسوعية محمد عبدو ، ومن إصلاحات رشيد رضا ، ومن تأملات الشاعر الفيلسوف محمد إقبال ، فظهرت حركة الإخوان فى مصر فى بداية الربع الثانى من القرن العشرين كتنظيم دعوي وفكري ، ومع الزمن تطورت إلى حركة سياسية تسعى للحكم من خلال مشروعها الفكري والتربوي .

لدينا كتب عدة فى نقد الحركة الإسلامية ، وهي مهمة ، سواء أتت من خارج السياق الإسلامي ، أو جاءت من الداخل ، فالنقد مهم ، ولهذا كتب القرضاوي رسالته ( أين الخلل ؟ ) ، فكانت نقدا موضوعيا ، ومن أهم المفكرين فى داخل الحركة الإسلامية ، وكذلك كتب راشد الغنوشي ، بل وفتح فى داخل الحركة قراءة واسعة ، ومراجعات دقيقة فى أكثر من مرة ، وكانت مهمة ، بل كانت سابقة فى داخل الحركة الإسلامية ، وغيروا أكثر من مرة ( اللافتة) ، بل وجدّدوا الخطاب الدعوي والفكري ، وقرأ البعض فى هذه المراجعة أنها سابقة ، ووحيدة فى نوعها ، ولكن هناك من قرأها أنها كانت تنازلات بلا ثمن ، وتراجعا إلى الوراء بلا شروط ، وكتب أيضا النفيسي كتابا مهما مع إخوانه ( الحركات الإسلامية ، رؤية مستقبلية ، أوراق فى النقد ) ، وكتب الدكتور الشنقيطي كتابه المهم فى هذا الباب ( الحركة الإسلامية فى السودان ، مدخل إلى فكرها الاستراتيجي والتنظيمي ) ، والأخير كتاب عن تجربة معينة ، ولكن الرجل من خلال مناقشاته ينتقد بعض الحركات ( الإخوان فى مصر ) نموذجا .

نحن اليوم نعيش فى نهاية الربع الأول من القرن الواحد والعشرين ، وبهذا نعرف أن عمر الحركة الإسلامية ( الإخوان ) قارب المائة من السنوات ، أي يبدأ إنهاء قرن كامل ، والحركة تجربة بشرية جاءت كرد فعل لسقوط الدولة العثمانية ، آخر دولة للإسلام فى التاريخ ، واجتهدت فى إحياء هذا الدور ، فنجحت فى صناعة الوعي ، ولكنه لم تنجح فى صناعة الواقع ، لأن العالم أكبر من طموحها ، والتحديات أخطر من استجابتها ، ولهذا فلا بد من دراسة لهذه الحالة ( الإخوان ) فى مصر ، أين نجحوا ؟ وأين فشلوا ؟ ولماذا نجحوا ؟ ولماذا فشلوا ؟
إن هذه القراءة مهمة حتى لا نكون جزءا من اللعبة الدولية التى تعمل فى إفشال كل جهد ذاتي فى الأمة ، وحتى لا نكون جزءا من عقلية التبرير التى نعيشها ، ونجعل كل فشل أنه خارج من مؤامرات دولية ، ولكن من السذاجة فى عالم السياسة أن نعتقد براءة اللحظة ، وغياب المؤمرات ، واستبعاد تفسير المؤمرات عن اللعبة ، وعدم معرفة وجود الأفخاخ فى المسيرات ، كما أنه من التشكل الكاذب الهروب إلى الأمام ، والحديث عن الفشل كنتيجة لمؤامرة فقط ، واستبعاد دور الحركات من الفشل ، وكذلك الأمة .

تشكو الحركة الإسلامية بعض المشكلات التى جعلت تدخل الشيخوخة فى وقت مبكر ، ومنها تقديم العمل على الفكر ، وعدم معرفة فقه المكان والزمان ، وعدم استخلاص العبر من التجارب ، وتكرارها أكثر من مكان ، وغياب روح العمل المؤسساتي ، ووجود الأبوة بشكل مطلق ، وغياب فلسفة التصويب والاستدراك ، وعدم الاستفادة من القدرات التنظيمية للفكر الغربي المتطور ، والقناعة بالفكر التنظيمي الذاتي ، وطغيان الالتزام على المبادرة ، والاتباع على الابداع ، والجندية على القيادة ، والعيش فى الجمود السياسي ( الجماعة الإسلامية ) فى باكستان كنموذج ، وخاصة بعد وفاة المودودي رحمه الله ، وتشكو كذلك الاختراق الأمني ، وغياب ( الحس الأمني ) ، وغياب الحرية فى داخل الصفوف ، ووجود أنواع من القيود ، ما أنزل الله بها من سلطان ، وعدم التوازن ما بين الثوابت والمتغيرات ، مما أفقد الحركة فى بعض الأحيان ( المرونة ) فى العمل السياسي ، أو أفقدها ( المصداقية ) للتنازل المستمر عن القيم والمبادئ .

نجحت الحركة الإسلامية فى محطات كثيرة ، من أهمها ، رفع الوعي الجماهيري بشكل مذهل ، وهذا مهم ، ولكن الوعي لم يصل بعد إلى المرامي الحقيقي ، ولكنه قطع أشواطًا كبيرة ومهمة ، فالإسلام اليوم ليس شأنا خاصا بل هو شأن عام ، وتطبيق الشريعة ليست مسألة جماعات ، بل هي مسألة أمة فى بعض الأقطار ، والتدين ليس شأنا خاصا بكبار السن ، بل هو أشد وجودا عند الشباب والشابات ، والكتاب الإسلامي ليس مطلوبا عند التقليديين فقط ، بل هو موجود فى كل مكتبة ، وفى كل بيت مثقف ، والمساجد ليست أمكنة لمن طلقته الدنيا ، وكبر ، واقترب من الرحيل ، بل هي موئل للجميع رجالا ونساء ، شبابا وشيوخا ، متعلمين وشبه متعلمين ، تقليديين ومعاصرين ، والسياسة ليست ميدانا خالصا لمن ابتعد واغترب ، ولكنها صارت موقعا للتدافع والمزاحمة بين الإسلاميين وغيرهم ، كل ذلك جاء بعد عمل جبار من رجالات الحركة ونسائها ، ومن مفكري العمل الإسلامي وكوادره .

فى كتاب استثنائي للمفكر السياسي الدكتور محمد المختار الشنقيطي ( الحركة الإسلامية فى السودان ، مدخل إلى فكرها الاستراتيجي والتنظيمي ) طرح لبعض معايير التقييم ، والتى يمكن من خلالها معرفة النجاح من الفشل ، وإدراك مآلات العمل السياسي لكل تنظيم سياسي مهما كانت أفكاره ، ومن هذه المعايير ، ( المرونة ، والتماسك ، والاستقلالية ، والتركيب ، والاستيعاب ، والإيجابية ) ، ومن خلالها يمكن لنا قراءة نجاح الحركة وفشلها ، ومن هنا اختلف الدكتور الشنقيطي عن الدكتور النفيسي فى التقييم والنقد ، ولهذا نحاول فى قراءة لاحقة ، ( مصير الحركة الإسلامية ومآلاتها ) ونستأنس فى قراءتنا قراءة النفيسي ، ونمارس كذلك نقدا لنقده ، وتقييما لتقييمه ، وقراءة على قراءته ، فليس فى العالم من هو أعظم من الملاحقة عليه ، ومن حقه أن يمارس نقده على الحركة الإسلامية ، ومن حقنا كذلك أن نمارس نقدنا على نقده .

إن الزمن ليس لصالح البسطاء فى القراءة ، وليس كذلك لصالح القراءات السريعة ، نحن لا نعيش وحدنا فى الكون ، ولكن نحن نمارس حقنا فى الحياة ، نريد أن نعيش وفق أفكارنا ، ونمارس حريتنا بدون تنازل ، قد نسقط من المكان العالي ، ولكن لا نخرج من التاريخ ، والسبب هو أن المبدأ الذى نعيش لأجله يرفض البقاء فى مواقع السقوط طويلا ، هناك ألف باب للتوبة ، والتوبة لها معانى عدة ، من معانيها الرجوع إلى مواقع الذات للانطلاقة ، والمحاولة الدائمة فى الوصول إلى القمة ، فهذا معنى من معانى التوبة ، والتوبة من المعصية الظاهرة مطلوبة ، ولكن التوبة من الآفات الفكرية والسياسية ، ومن آفات النفس أهم ( إنه أوّاب ) .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock