الثقافةالدين و الترييةالسياسةالعمل والمستجدات

*الحجّ أشهر معلومات*

*الحجّ أشهر معلومات*

الحجّ بمعنى القصد! فماذا نقصد به فِي هذه العجالة؟
إنّه ركن من أركان الإسلام الخمسة العظيمة، وشعيرة روحانية جماعيّة لا تُـؤدَىّ إلا في وقت ومكان محدّدين ﴿الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهنّ الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحجّ وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزوّدوا فإنّ خير الزّاد التقوى…﴾ إن المتدبّر في أركان الإسلام يرى أنّ لكلّ منها مقاصد رائعة راقية في لمّ وحدة الإنسان وضمّ شمل الإنسانية.. الإنسان بمكوّناته من جسم وعقل وروح.. والإنسانية من أسرة متحضّرة ومجتمع مدني ودولي وعالمي متحضّر.

نقصد بالحجّ ذلك الامتداد الهيكلي للتنظيم الاجتماعي الإسلامي، بداية من المسجد وما يجسد من حبل رباط يلفّ أعضاء الوحدة السكنيّة الصغيرة (القرية أو الحيّ) ثمّ الجامع الذي يمثّل الرباط الأسبوعي في أيّام الجمعة، حيث يجتمع أهل الوحدة السكنية الكبيرة (المدينة أو الدائرة) تحت قيادة الأئمة المعيَّنين لكفاءاتهم القياديّة (لو جرت الرياح بما تشتهي السفن).. ثم يأتي الحجّ ليكمِّل الحلقة بربط أطراف العالَم عامّة في ظرف زمكاني واحد؛ مع ما يكتنف هذا الموسم من تداعيات اجتماعية، تسري عبر عيد الأضحى إلى المتخلِّفين في الأقطار الإسلامية مهما تباعدت؛ فاستُحبّ في حقّ هؤلاء الباقين ـ تمهيدا للعيد الأكبر ـ أن يراقبوا مجريات الأحداث هناك في الحرمين الشريفين ويشاركوا مشاركة فعّالة، في التماهي معهم بالإمساك عن حلق شعورهم وتقليم أظافرهم في الأيام العشر الأول من شهر ذي الحجّة، ويصوموا يوم عرفة ويذبحوا الأضاحي ويتزيّنوا ليوم العيد.. كلّ هذه الممارسات الروحانية نصيب موفور لبقية المسلمين المحبوسين عن تلك الشعيرة العالميةّ!

أمّا أعمال الحج من تطواف ورمي وسعي وإفاضة فمن نصيب وميزات النوّاب المسلمين المدعوّين المُلبّين هنالك “لبّيك اللهم لبّيك”.. ذهبوا إلى الحجّ للقيام بشعيرة خاصّة، ذات صبغة روحية واجتماعية عجيبة.. يتجرّدون من ملابسهم الوطنية بألوانها الخاصّة، ويتخلّون عن كلّ ما يميّز أو يفرّق بين المشاركين في هذا المؤتمر الإسلامي العالمي الرهيب.. يتحلّون بالأمان الربّاني ﴿ومن دخله كان آمنا﴾ أمنًا مادّيّا وفكريّا يضمنان حرّية التعبير والدفاع عن الآراء التطويرية أثناء مداولاتهم لحلّ أزمات العالَم ومشكلات النّاس .. نعم لأنهم في ﴿أّوّل بيت وضع للناس﴾ حيث نُوديَ الناس منذ قوله تعالى لسيدنا إبراهيم عليه السلام ﴿وأذّنْ في الناس بالحجّ يأتوك رجالا وعلى كلّ ضامر يأتين من كلّ فجّ عميق ليشهدوا منافع لهم…﴾ نعم لأن ﴿لله على الناس حجّ البيت…﴾

يَلفِت انتباهي في آيات الحجّ أنها تخاطب الناس دون تخصيص المسلمين ولا طائفة أو طبقة ما: “وضع للنّاس، وأذّن في الناس، ولله على الناس، من حيث أفاض الناس، واجعل أفئدة من الناس..” هذه إشارات عميقة نيِّرة إلى أن حلول مشكلات الناس يجب أن تولَّد فتصدُرَ من تلك الأماكن المقدّسة في ذلك المؤتمر العالمي الإنساني، ألا وهو الحجّ!
الحجّ ذلك البرلمان أو المؤتمر العالمي المُقام بين المشاعر النفسية وشعائر الله ﴿إنّ الصفا والمروة من شعائر الله﴾ بين الأمن والإيمان حيث لا ﴿رفث ولا فسوق ولا جدال﴾

فما لقادة المسلمين ومن دورُهم خدمةُ الحرمين الشريفين وقاصدي الحرمين، مالهم يتراجعون عن احتواء الأمة، كلّ الأمّة؟
وما لهم يحسبون أنّ الاكتفاء بسقاية الحاجّ وعمارة المسجد الحرام يغني عن الجهاد في سبيل الله بالتوعية والتشاور حول شؤون المسلمين، قصد معالجة عراقيلهم الجيوسياسية في فلسطين وتحديدا في *غزّة* (الضحيّة العالميّة) حيث يُقتّل النِّساءُ والصبيان، ويجوَّع الشيوخ والعجائز، على مرآى ومسمع المسلمين الساكتين المتخاذلين.. وقصد معالجة أزمة السودان ومالي وغيرهما من ديار المسلمين … أو لاقتراح حلول مناسبة ناجعة..؟ وإلا فليسمعوا قول الله سبحانه ﴿أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستون عند الله…﴾

نتأسّف من هذه الأمّة الواحدة التي قال الله في حقّها ﴿إنّ هذه أمتكم أمّة واحدة…﴾ أن تتوسّع الفجوات الاجتماعية بينها ِفي زمن الحملات المتزامنة، وفي ظلّ القرية أو الغرفة الكونيّة.. وتؤشّر اختلافاتُها في توقيت الأعياد إلى تخلّفها الحضاري وافتقارها القيادي تأشيرا دقيقا ودالاّ، وذلك ﴿فِي كلّ عام مرة أو مرّتين ثمّ لا يتوبون ولا هم يذّكرون﴾

فالمعضلات السياسيّة الاجتماعية، وتداعياتها العويصة المتشعّبة، سنحلّها متى ما أحسنّا توظيف شعيرة الحجّ السنويّة توظيفا صحيحا، واستحضرنا خلالها هموم الأمة وصعوباتها، وفعّـلْنا آليات الشورى والتشاور بين نوّاب جديرين بتمثيل شعوبهم من جميع البلدان، في مؤتمر أمّ القرى.. وذلك سهل ميسور عبر برنامج يُطلق عليه “ممثّلي الأمة” أو مثل ذلك.

سنحلّ بهذا ـ حتما ـ مشكلة اختلاف المسلمين في تحديد الأعياد ومواقيت الأهلّة ﴿ويسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحجّ﴾

أما أشهر الحجّ المعلومات و ﴿الحجّ أشهر معلومات﴾ فقد تقلّصت ـ الآن ـ إلى أيام معدودات لتغييبنا مقاصد الحجّ الاجتماعية والسياسية لاحتواء أزمات الأمّة؛ لا نتابعها ولا نناقشها.. ومناقشة المسائل السّياسيّة الاجتماعيّة، يجب أن يُمهَّد لها بدراسة أسبابها ومبرراتها ومآلاتها، بعد فرز نقاط الحوار فيها وحولها حتّى يسهل نتناولها بعمق سحيق.. ويستغرق كلّ تلك الإجراءات أشهرَ الحجّ بكاملها وزيادة …

والخسارة الكبيرة، ثمّ الضياع الأكيد أن نخرج من الحج ّالأكبر كلّ سنة دون قرارات إسلاميّة عالمية، أو توصيات مصيريّة حاسمة، أو إعلانات رسمية من قيادة إسلاميّة عُليا؛ إعلانات تذكِّرنا بعهد الآية الكريمة ﴿وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحجّ الأكبر أن الله بريء من المشركين …﴾

أحمد جه كبمير 29/6/2023م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock