الثقافةالدين و الترييةالسياسةالعمل والمستجدات

ذكرى الخليفة الخامس للطريقة المريدية الشيخ صالح امباكى رضي الله عنه

النورالخاتم
بقلم السيد محمد عبد الاحد مباكي:

ليس من السهل اليسيرالإحاطة بكل جوانب هذه الشخصية البارزة ألا وهي: شخصية الشيخ صالح مباكي. ولكني أود هنا التركيز بعض الشيء، على صورته النفسية أوالخلقية التي لايتأتى حصرها في سطورولو بكتاب، مهما يكن حجمه، فأقول: إن الفضل كله يرجع إليه في وضع آخر لبنة اكتمل بها بناء الشيخ أحمد بنب الرفيع في نفوس المريدين. أوبعبارةأخرى في وضع اللمسة الأخيرة في تصنيف الهيكل المريدي وكذلك بالنسبة لمدينة طوبى” حاضرة الطريقة المريدية”.
الشيخ صالح والخلافة :
وفور توليه الخلافة المريدية أكد من خلال خطابه الأول،عام 1990 الخطة التي سينتهجها لتسييرالخلافة المريدية .ولخصها في نقطتين مهمتين:

أولاهما هي: أنه لايعنيه السياسية بمفهومها المكيافيلي الذي من مبادئه الشهيرة:”الغاية تبررالوسيلة” كما كان لايحسب لهذا النوع من السياسة أي حساب أويعيرلها أي اهتمام.

وثانيتهما هي:أنه سيشغل باله ويضع نصب عينيه إلى كلما يعلي كلمة الله ويرفع شأن المسلمين قولاأو فعلا.ذلك للحفاظ على تراث والده وإرث إخوته الذين سبق أن خلفوا وأدواالأمانة إلى أهله.
مساهماته في المريدية :
ولايختلف اثنان في مساهمته الفعلية منذصدرالمريدية، ببذل مجهودات مضنية لما فيه الخيروالبركة للأمة الإسلامية بصفة عامة، وللمريدية بصفةخاصة.
اسوةحسنة في الزهد والورع:
إن الشيءالذي لاغبارعليه هو:أنه كان أسوة حسنة في الزهدوالتقشف والإيمان بالله والتمسك بالكتاب والسنة. فعلا أعاد عهد والده وسلك نهجه حالا بحال.وكان طيلة خلافته بل طول حياته، يعوض كل من حرم ويتفرغ للحق والعدل وإشاعة الخير والسلام في ربوع الحضرات المريدية والإسلامية على حد سواء…
وكان يميز جيدامن ممتلكاته، ما يسد حاجياته التي تكمن في سد رمق المعدومين والمساكين ، وما يرجع بالضرورة للطريقة المريدية. ولم يكن يدخر لنفسه شيئا قصدالإستثمارأوالإستغناء.
لطافة في الخلق:
ومن لطف خلقه أنه:رغم عظمة مكانته ووقاره ،ليس من المستبعد أن يبجله بعض الناس ويقدسونه تقديسا،كما يليق لشخصيته.ولكن المهم هو:أن موقفه على نقيض ذلك، بحيث يرى في نفسه مجرد عبد لله مقتد لسنة رسوله وخادم لخديمه الشيخ أحمد بنب مباكي.

ومن طبيعته عدم تشجيع الخرافات بأي شكل من الأشكال،كما لايروجها لنفسه أويتمايل لأي لون من ألوان الإطراءوالتملق.بعيدا كل البعد عن الإغترار ودواعيه، كان يجسد النزاهة والشفافية وينكرالإفتراء والبدع مهما يكن المصدر.
التواضع الباطني:
ولم يكن قط في حياته بل منذ نعومة أظفاره،يوهم الإستعلاءأوالأفضليةـ قولاأوفعلاـ على غيره من جنس البشر.ومن جراءتصرفاته نعلم بكل جلاءووضوح أن تواضعه الباطني الخفي كان أبلغ بكثير من تواضعه الظاهري الجلي.وقديما،قال ملك:”السلطة هي:أنا” مهملاأموررعيته.
وهذه الصفة مشتركة أحيانا بين الحكام المستبدين وبين بعض رجال الدين…وتماماعلى عكس الشيخ الذي كان يؤيد مبدأالتشاور ويكيل له كيلا في كل مايقوم من أعمال تخص طوبى {ثاني كبرى مدن السنغال}أوالمريدية ككل

لقد شاء القدر أ ن حالفني الحظ بمجالسته ــ عدة مرات ــ قبيل توليه الخلافة المريدية وفي إبانته، ووجدت تلك الجلسات بمثابة دروس وعبر، استحوذت على ذهني وعشعشت عليه لحد الآن،لكونها تغذي العقل والروح .

آية في التلميح ولغة الإشارة:

وكان آية في فن التلميح والتفهيم بالإ شارة كما كانت لديه وسائل أخرى يستعين بها دون اللجوء إلى المواجهة بشكل أوبآخر.وياله من مرب! فله التوفيق كل التوفيق بالوفاء والصدق على ماعاهد الله عليه.
وخيردليل على ذلك هو: تحليه الحاسم بقوة الإرادة وصدق العزيمة في جميع تحركاته اليومية ،إثباتا وإقرارا لسبب وجودنا على ظهر الأرض.
ومعاملته الجيدة مع الناس باختلاف مشاربهم، لم تكن في أي يوم من الأيام تأثرسلباعلى تأدية واجباته الدينية.وشهدت عليه لحظاته الأخيرة ،إذ لم يتوان بل لم يفته أي وقت من أوقات الصلاة.
لقد أدى صلاة الصبح فمضى إلى ربه وبكل بساطة. لاأ زال أتذكر مقولة سيدنا أبي بكر رضي الله عنه لما تحقق من وفاة النبي صلعم حيث قال:{بأبي أنت وأمي يارسول الله طبت حيا وميتا وانقطع لموتك مالم ينقطع لموت أحد من من العالمين الخ}…ثم تلى”ومامحمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل”
منهجيته قي التربية:
لقد طور بعبقريته وفلسفته بل بحكمته،منهجيةالتربية المريدية التي كانت مؤلوفة لدى الكثير. وكتب الله له النجاح في حسن تأديبه الناس وتربيته لهم. وكان يجيد الإختيار ــ بعد تخرج البعض منهم ــ في تنصيبهم كمدرسين ومربين أكفاء بمراكزه الخاصة،حيث يستعمل: الرجل المناسب في المكان المناسب.

في الواقع نرى بكل وضوح من أساليبه التربوية ماجاء في المثل الحي:{إذا أعطيت فقيرا سمكة قد سددت جوعه ليوم واحد…أماإذا علمته كيف يصطاد السمك تكون قد سددت جوعه طوال العمر}, وفي الحديث:{اليد العليا خير من اليد السفلى.} علما بأن النفس مرتبطة بالجسم ،اهتم بهذه العناصر الثلاثة التي تخضع للتربية والتهذيب
ألا وهي: العقل والروح والجسم ويدل على ذلك معاقله الخاصة للتربية بمختلف أشكالها، بما فيها:مجمع خلكومالذي تبلغ مساحته حوالي: 45000هكتار.
توحيده صفوف المسلمين:
ولعل أهم ما حققه من الجانب الروحي هو: توحيده صفوف المسلمين عن طريق إمدادهم يد المعونة وتواصيهم بالصبر مع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،وحبه لهم ما يحبه لنفسه. كما كان يحيي دائما،العلاقات العريقة والتاريخية المتميزةالتي ما زالت تربط المريدية بالطرق الصوفية الأخرى في البلاد وغيرها.

وفي عصره الذهبي تضاعفت في أرض الوطن، دورالعبادة وظاهرة الحلقات الدراسية {القرآنية والقصائدية والثقافية } بالإضافة إلى ظاهرة مبدء الثثة بالنفس والإعتماد عليها في كل شيء ،والجدية في أداء العمل والإخلاص فيه لدى جميع أوساط الجماعة المريدية. ذلك بفضل جهوده وإحساسه بالمسؤولية وكونه غيورا على دينه وطريقته.
التسامح الديني:
وهولم يكن في أي حال من الأحوال يؤمن يالعنف أويجد إليه سبيلا. بدلا من صب الزيت في النار بالنسبة لبعض المسائل المعقدة والحساسة في المجتمع،لأقلية كانت أولأغلبية، كان دائما يختار أسلوب الحواروالتسامح ويعطيه أهمية وأولوية خاصة لتفادي المواقف الحرجة،دون أن يخشى في الله لومة لائم. مهماكانت الظروف.

وينطبق علي حاله قول الشاعر الكبيرأحمدبن محمد تمبد لشيخ الخديم رضي الله عنه وعن جميع أبنائه الكرام:
تبا لقرن جديد لم يكن فيه…..شيخ يعالج داء القلب يشفيه
شيخ يريك عيوب النفس جملتها ….ويلفظ الدر والياقوت من فيه
شهود مجلس هذا الشيخ مع أدب….فوز وغنم وقرب دون تمويه
وجوده نعمة للخلق كلهم…..وَ جوده مفرد من غير تشبيه
يبكي عليه كتاب الله في أبد….بكاء فاقد من كان يحميه
للشيخ سر مع المخدوم ليس له ….حد وليس سوى المخدوم يحصيه
له من الله علم ليس نفهمه……ولايحاط بتعليم وتنبيه…

وقال شيخه ووالده الشيخ الخديم: {وإن ظلمك أحد من الناس فاعف عنه،ولاتطلب ضده النصرمن أحد، ولاتدع عليه}.

ومن دماثة خلقه: مجاملته الحسنة مع أصحاب الأديان الأخرى وغيرهم من بني البشر، حيث يستقبلهم بالبشاشة تكريما لهم خالصا لوجه الله ،عز وجل شأنه. ذلك اقتفاءا لآثاروالده القائل:
{يامالك الملك يامن جل عن قود…..ارحم جميع الورى ياهاديا ردءا}
و وصايا النبي صلعم لسيدنا علي كرم الله وجهه:{ يا علي: أكرم الضيف ولوكان كافرا، فإن من أكرم ضيف الله أكرمه الله…}

وللمقال بقية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock