الدين و الترييةالرياضةالسياسةالصفحة الرئيسية

طفقَ الناسُ يتوافدون زرافات ووحدانا إلى قريةِ بُرقان المُباركة مَهبط الأسرَار والأنوَار الإلهية للاحتفال بذكرى السيدة المثالية سخن جارة الله بُوسو والدة العبد الخديم – رضي الله عنه – النموذجية السَّامية والقدوة الحسنى التي تكون يوم الخميس 28 مارس 2019م في شهر رجب الفرد 1440ه‍ .

طفقَ الناسُ يتوافدون زرافات ووحدانا إلى قريةِ بُرقان المُباركة مَهبط الأسرَار والأنوَار الإلهية للاحتفال بذكرى السيدة المثالية سخن جارة الله بُوسو والدة العبد الخديم – رضي الله عنه – النموذجية السَّامية والقدوة الحسنى التي تكون يوم الخميس 28 مارس 2019م في شهر رجب الفرد 1440ه‍ .

ولذلك يَسرُّنا أن نقدّم للقراء الكرام هذه المقالة التي كتبناها وهي تحتوي على أبرز معالم شخصيتها المرموقة وحياتها الكريمة .

حياة سُخن جارة الله بوسُوا الأم المثالية والقُدوة الحُسنى

بسم الله الرحمان الرحيم الحمد لله الحكيم القدير، والصَّلاة والسَّلام على البشير و النذير، محمد بن عبد الله الكريم، وعلى آله وصحابته الأطهار، ومن نهج نهجهم القويم إلى يوم الدين، وعلى خير خديمه قطب زمانه، وفريد دهره، أحمد الخديم، الذي جدد الدين الإسلامي الحنيف.

الإهداء:

إلى كلِّ باحثٍ حريصٍ على نشِر دين الإسلام.

إلى كلِّ من عُني بالعلم والثقافة الإسلاميّة عامَّة والثقافة المريدية خاصَّة.

إلى كلِّ الأساتذة الذين ارتَوينا واقبسنا من مناهلهم الصَّافية في علوم شتىَّ
أهدي هذا البحث مبتهلا إلى الله – تعالى – سَائلا إياه أن يتقبَّله منا بقبول حسَن وأن يجعله في ميزان حسَناتنا يوم العرض والفزع الأكبر.

شكر وتقدير:

ولا يسعُني في هذه الفرصة الأخيرة إلا أن أوجه أسمَى الشكر والتقدير إلى فضيلة الأستاذ شيخ أحمد بوسوا – المدرس في ثانوية الشيخ محمد المصطفى امباكي المشهور بـ {تُوغُوربَ} الذي قضى جلَّ أوقاته في مراجعة وتصحيح هذا البحث العلمي المتواضع وتكبَّد المشقات الجسَام . بل حضني على مواصلة البحوثِ و الدّراسة .

ملَّى الله عمره وموَّله وبارك في نَسلِه حتى يكمل مُناه ،وجعله ذخرًا للإسلام وشكر مسعانا ومسعاكم إن الله ولي ذلك، والقادر عليه . آمين يا ربَّ العالمين .

أيها القراء الأعزاء فإني أحاول اليوم الكتابة عن بعض كبار الشخصيات الصُّوفية الذين كانوا يعبدون ربُّهم خوفًا وطمعًا، ويطلبون رضوان ربهم ليلا ونهارا بكرة وأصيلا.

ومن هذه الشخصيات السيدة مريم بوسوا التي أطلق عليها لقب “جارة الله” لعبادتها وعفتها وديانتها. بَيد أنّ هذا العمل صعبٌ جدا لقلةِ المصَادر التي كتبت في حياتها ، ولكن كل ما أوردته في هذا البحث قد نقلته من الرواة الثقات من الباحثين المريدين، وأحثُّ العلماء على أن يهتموا بالكتابة عن حياة شخصيات المريدين والمريدات لأنّ ما كتب قرّ وما حفظ فرّ. والكتابة وسيلة من وسائل نشر العلم كما قال الشاعر:
إن الكتابة تبقى بعد كاتبها = وصاحبُ الخط تحت الأرضِ مدفون
أو
الخط يبقى زمانا بعد كاتبه = وصاحبُ الخط تحت الأرضِ مدفون

ومما لا يختلف فيه اثنان أن نساء هذا الجيل مال جلهنّ إلى التنافس في الزينة دون العبادات وطاعة أزواجهن. والنساء هنّ مدرسة البنين، إذا صلحن صلحت الأسرة والمجتمع وإذا فسدن فسدت الأسرة والمجتمع لذا يجب عليها التستر والتعفف، وللأسف الشديد فكثير منهنّ يقتدين بالنصارى في لباسهنّ وكلامهنّ ومشيتهنّ ويتبرجنّ تبرج الجاهلية في الشوارع ليلا ونهارا ،بل يظهرن وجوههنَّ وكفيهنّ وساقيهنَّ وثديهنَّ … ويصلن شعرهنَّ ويغيرن لون أجسامهنَّ ، بل يختلطن بالرجال سافرات متبرجات مائلات مميلات والغريب من الأمر أنهن يعتقدن ذلك تقدما ورقيا.

أما الذين يطالبون بخروج المرأة من بيتها إلى العمل لتشارك الرجال في أعمالهم وتزاحمهم فقد ضلّوا عن معرفة مصالح الدين والدنيا ضلالا بعيدا، وأضلّوا غيرهم ففسدت مجتمعاتهم بسبب ذلك.

يا أختي المسلمة! ألا تستحيين من ربِّ العزة والجبروت وتقتدين من هذه السيدة أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها – التي كانت تستحيي من الأموات ولذا قالت: (( كنت أدخل البيت الذي دفن فيه رسول الله – صلى الله عليه وسلّم – وأبي – رضي الله عنه – واضعة ثوبي، وأقول إنما هو زوجي وأبي، فلما دفن عمر – رضي الله عنه – فو الله ما دخلته إلاّ مشدودة علي ثيابي حياء من عمر – رضي الله عنه – )) أخرجه البخاري.

كوني فخورا بانتمائك إلى هذا الدين الحنيف، ورسُوله خير المرسلين، وكتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، بل أعجز البلغاء والفصحَاء.

إنَّ حياةَ السيدة الكريمة سعن مريم بوسوا المشهورة بِـ( جارة الله) لحافلة بدروس وعبر يُمكن لجميع المسلمين أن يستفيدوا منها، وخُصوصا النسوان.
قال تعالى : { لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } [ يوسف: ١١١ ]

وينقسم هذا البحث إن شاء الله إلى أربعة مباحث: المبحث الأول: نسبها ونشأتها ومسَارها العلمي: المبحث الثاني: صفاتها وأخلاقها السامية: المبحث الثالث: شواهد بعض الأفاضل في حقها باللغتين: الولوفية والعربية:
المبحث الرابع: انتقالها إلى جوار ربها: الخاتمة:
المراجع والمصادر :

المبحث الأول

نسبها ونشأتها ومسارها العلمي:

هي السيدة الكريمة مريم بوسو بنت سغن عائشة والو البكية بنت سغن ندمبي دان انيانغ من أهل عاف بجلف. واسم والد سغن عائشة والو البكية هو مام أحمد سغن بوسو البكي الذي هو أخ لسيير سغن بوسو البكي بن مام مهرم البكي بن عثمان امباكي، الجد الذي يلتقي فيه الأسر السنغالية من شيوخ الطريقة المريدية و التجانية .

وأما اسم والدها فهو محمد المشهور بـ: مبسوا حوى امباي بن محمد المشهور ب مطبر بن حماد بن علي بوسو، وجدها حماد بن علي هذا، هو أول من قدم من ((فُوتَا طُورُو )) إلى أرض ((جُولَوفْ )) التي كانت تسكنها قبائل ((وولُوفْ)).

وبناء على ما سبق ذكره نعرف أن نسبها نسب أصيل وشريف من الجهتين البكيّة والبسُوبيّة، وهما معروفتان بالدِّيانة والاهتمام بكتاب الله والعبادة واحترام الكبير.

* ولدت السيدة الكريمة – والدة الإمام الأكبر المجدّد والمحيي والمفكّر والمصلح – في مدينة بسُوبي بجُلف وقيل ((كُولُورِي)) قرب فُوتَا طُورْ – وهي مدينة تقع في مقاطعة بُدور بإقليم ماتم – في عام 1833 ميلادية المطابق 1250 وقيل : 1246 هجرية.

والجدير بالذكر أن هذه السيدة سميت بسيدة النساء مريم والدة سيدنا – عيسى عليه الصلاة والسلام – التي كانت مضربة المثل والعفة والطهارة والعبادة والشيم السامية ، كما قال الله تعالى : (( وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاكِ وطهركِ واصطفاك على نساء العالمين يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين )) [ سورة آل عمران 41-43 ]

وقيل: سُميت بجارة امبَاي الساكنة في امباكي بول .

وأما والدتها فكانت عالمة وحافظة لكتاب الله المجيد عن ظهر قلب كما كانت تفسر القرءان الكريم وتعد من القوّامات والصّوامات كانت تختم القرءان الكريم في قيامها في الليل في أربع ركعات، عابدة تقية متبحرة في شتى فنون العلم كلَّت النساء أن يلدن مثلها. قد اجتمع لديها سائر الخصال الحميدة كما كانت تلبس جلابيب كثيفة عملا بأمر الإسلام للنساء بستر عوراتهن .

تعلمت والدة هذه السيدة القرءان الكريم وفنون العلم على والدها البارّ (( مام أحمد سغن بوسوا )) الذي كان إذا سمع الأذان يجري حتى تتمزق ثيابه لشدة خوفه لرب العزة والجبروت .

شرعت ” سغن عائشة والوا البكية ” في تعليم القرءان الكريم في منزل والدها قبل ذهابها إلى بيت (( مام مبسَ حو امباي )) ودامت في التعليم مدة سنوات عديدة؛ ولذلك يقول المؤرخ والشاعرُ المفلقُ سرين موسى كاه – رحمه الله – : سُغْنَسَ فُورِلَ دَ دَا سُلْ يِيرِيَ = دِتَرَلْ نُدكَّكَيَ بُولِيمْ تِيريَ مام عشتُ وَالُ نَدىِ سُحْنَ جَارَهْ = بُدُلكُنُكْ مُومْ كِندُ سَمْبِ دَاره

ومما يروى في الأثر: أنّها كان لديها سّر يسمى بـ ((سيف الدولة )) فسأل عنه الشيخ الخديم فأعطته السّر وبعد ذلك أمرها بأن تقرأ قصيدته الموسُومة بِــ” الصنديد” بدلا عن السّر. وكانت سَندا للملوك بل كانوا يأتون إليها ويطلبون منها الدعاء ، وعاشت هذه السيدة الكريمة مائة وثلاثين سنة نفعنا الله ببركاتها ودفنت في مدينة (( نَاوِيلْ )).

وكان الشيخ محمّد الفاضل امباكي الخليفة الثاني يقول: (( بصَلاح سغن عائشة والو البكية منَّ الله علينا بمام جارة الله بوسوا )).

وفي أحضان هذه السيّدة المذكورة آنفا تربت وتعلمت القرءان الكريم السيّدة مريمُ بوسوا حتى أتقنته حفظًا ورسمًا، ثم نسخته، وهي في حدود عشر سنوات من عمرها، كما حفظت من والدتها كتاب ((دلائل الخيرات للإمام الجزولي )) قبل ذهابها إلى منزل مام مور أنت سل امباكي العالم العلامة الذي كلّت الأقلام أن تحرر مزاياه ومناقبه وأعماله الجليلة التي قدَّمها للإسلام .

وكانت تعيش السيدةُ عائشة والوا امباكي مع سرين امبسُوبي في مدينة بوسُوبي إلي أن أتاها الأجل المحتوم فانتقلت هذه السيدة القانتة الصائمة المرضية إلى جوار ربها في عام 1884م ، ودفنت في ناويل التي تقع بين كفرن وكولخ جنب وادي بَددْ . انتهى نقلا عن كتاب ” جَلُوري مَام جَار”.

ويبيّن لنا الشاعر الولوفي سرين موسى كاه سبب اختلاط البكيين بالبسوبيين في قصيدة طويلة، نورد منها هذه الأبيات التالية :
امبَكِيك امبُسُوبِ قُبِّ لَنجقَمَنتِي = سِين مَام يُبَاقيَ فُوفَ لَنجدِ نجَنتِي
لَكُوَرَل سِين مَا مجَ حَمَّاد آلِ = مُونَجو دِلَاج رَكَم جَه بُوكَر آلِ
مُيتَو نجِكدِّ مُي تَقَودِ جَا كَّه = دِوَريِيرَ مْيَاك تِيِر يَا كْجَيْ جَا كَّه
بَبَد سِتِي جُفِك دَ رَام تُو يُل = نجُقَمنِ كِي أَمنَ كَرَامَ سُو يُل
سَرِج قُبِّي كُتِي مَي كُدُ ومَم = مَام قُجَّ سِيسِه كِسُن مُرُومَم

المبحث الثاني

صفاتها وأخلاقها السَّامية:

كانت السيدة مريم قد سارت على نهج والدتها في قيام الليل والإكثار من الصّوم، عفيفة متدينة صادقة في أقوالها وأفعالها، صابرة، لا تجادل ولا تغتاب أحدا، ذكية، تواظب على الصَّلوات الخمس والنوافل، ذات همَّة عالية، ومما يدل على ذلك أنه لما قال لها والدها: ” أزوجكِ زوجا يعلم القرءان الكريم، فتحت السيّدة المصحف الكريم مستخيرة به، فوقفت على قول الله تعالى: { مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً } [ الأحزاب: ٤٠ ] فلما قرأت الآية قالت : ” لو لم يكن محمّد خاتم النبيين لأنجبتُ من زوجي رسُولا “.

ولكن جعل الله لها أولادا أبرارًا صالحين عجزت النسَاء أن يلدن مثلهم وهم: الشيخ الخديم ، وحبيب الله امبا كي الذي قال في حقه وفضائله ما لا يكتب بالقلم ولا يحكى باللسان ، والسيدة فاطمة امباكي، ومام مور جارة الله امباكي البكر . قال الشاعر سرين شيخ لوح في مدح سخن جار بوسوا: سِلَلْكَ سَي لِكِييْ فَرِيِو جُورْ = عَمْكَيْ إِمَـامْ دِلُّ أَمْ أَيْ فُوِر
بكِ الثناء والرضَى والفخر تبشِرة = قد حاز ابنكِ ما لم يحو الأبرارا

ولد الشيخ حبيب امباكي – الأخ الشقيق للشيخ الخديم – رضي الله عنهما – في وادي امباكي ” خُرُ امباكي” في سنة : 1854م، لكنه وافته المنية في نعومة أظفاره سنة 1855م، الذي لو عاش طويلا ما عُرف أحدٌ أخاه الشيخَ الخديم – رضي الله عنه – ؛ لأنه كان نابِه الدرجات والمقامات، كما قال الشاعر البار في حقه موضّحا مناقبه وفضائله:
شِيخ بَمبَ نُوننِ بُدُونْ كِن دُقَمْ = مُوتَغ مُدِم نجَاِرجَنْتَ دُفَأم

وكانت السيدة جارة بوسوا – رضي الله عنها – تستر جسدها بلباس سَابغ فَضفَاض كثيف. ومما يدل على ذلك بعض الصور التي صَورها الرسامون تراها كأنها امرأةٌ عجوز، مع أنها لم تتجاوز ثلاثا وثلاثين سنة، ولذا قد منّ الله عليها بابن لا نظير له في خلق ولا في خُلق بعد النبيّ – صلى الله عليه وسلم – ويؤكد ذلك قول الشيخ إبراهيم جوب المشعريّ:
يا شيخَ أحمد يا من لا نظيرَ له = يا خيرَ مَن بعد عَصر المصطفى خُلقا
يا أكرمَ الكرمآ يا أحكم الحكمآ = يا خير من لمرِيده الوباء وقى
يا خيرَ من يذكر المولَى ويشكره = يا من لدى البدءِ سبق الكلِّ قد رُزقا

وقوله أيضا:
وسنتَه الغرآء أحيَيت بعدمَا = أُميتَت وصَارت كالرميم بلا ذِكر
كرامتُه فاقت كراماتِ من مَضوا = ومن حانَ فهو الفردُ شَرواه لا يُدرى

وقال باب محمود الديماني في مدح شيخنا الخديم :
وليسَ يُوجد من الأنيم = مثل لهُ في جُوده العَميمِ
بعد النبيِّ الطاهِر الحلِيم = والآل والصَّحب ذوِي التكريمِ
بَحرُ الندى وعَيلم العلوم = يَجِري على الفقيِر والغريمِ
يَهدي لنَهج دينِه القويم = إلى صراطٍ منهُ مستَقيم

وقال سرين مولاي بوسوا في مدحه : يقومُ الليالي راكعًا بعد صَومه = يصَلي إمامًا بالملا في المسَاجد

قنوت سخن جارة الله بوسوا وعبادتها لمالك الأنام :

قال صاحب ” منن الباقي القديم” الشيخ محمد البشير امباكي وهو يبن لنا صفات جدتها الكريمة التقية: (( وكانت الوالدة جارة الله مريم صالحة عفيفة دِينيّةً كثيرةَ الصَّلاة والصَّوم والصَّدقة، مستسلمةً لربِّها قائمة ًبواجبات دينها، بينها وبين ربها وفيما بينها وبين الشيخِ الإمامِ – مام مور أنت سل امباكي – قرينِها وكانت تُربي أولادها على المروءة والدين والطهارة. كثيرا ما تَحكى عليهم حكاياتِ الصالحين. وكان شيخُنا من ذكائهِ العجيب وفطرته السَّليمة، يُصغي لتك الحكايات ويحفظُها ، ويتكلّف – وهو لم يُكمل التمييز – العملَ بما قُدِّر عليها – حتى حكى علي من أثِقُ به من الأقارب أنه حضرها يوما تقول: ” من دأب الصّالحين قيامُ الليل ” فصار هذا الحديث كلّما جنّ الليل يقوم ، وهو لم يدخُل المكتبَ ، ويخرجُ إلى سَاحة القرية منفردا يقوم الليل للتعوّد بعاداتِ الصَّالحين كما سَمع .

انظر إلى هذه الهمّة العالية التي كان شيخنا يتحلى بها، وهو لم يبلغ سن التكليف، ولقد صَدق فيه قول البوصيري :
ألف النسكَ والعبادةَ والخلــــ = ـــوةَ طفلا وهكذا النجباء

ولم يزل على ذلك،كلما سمع شيئا يمدح الله به عباده يتكلف به، وهو بين والديه وإخوته وفيهم من هو أكبر منه ومن هو أصغر منه، ولم يسجل عليه شيء مما يُخالف الأدب والمروءة، ولم يؤثر عنه غضب ولا خصومة ولا جدال، بل يشتغل بما يعنيه أو يختلي للعبادة )) انتهى كلامه بتصرف قليل .

يمدحها سرين موسى كاه قائلا:
دَيبُولِ تُبُّ دِكلْ أكْ تُوبُّ أبْ سَرجم = أكْ تُبُّ يَلَّ بُوِر مَامْ جارَة الله

ورد في كتاب “جَلُورِيْ مَام جَار” المخطوط بالولفية للمؤلف سرين محمد البشير امباكي بن الشيخ محمد المنتقى البكي بن الشيخ محمد البشير نجل الشيخ الخديم – رضي الله عنهما – : << وكانت الوالدة اللبقة الذكية سخن جارة بوسوا في مدينة بسوبي جلف؛ ومن هنالك ذهبت إلى امباكي منزل الشيخ الوالد العالم الجليل مام مور أنت سل امباكي، فأنجبت في هذه البقعة ابنها البكر الشيخ مام مور امباكي بروم شام سنة 1849م 1850م فولد الشيخ الخديم إثره في نفس البقعة – رضي الله عنهما – في سنة 1852- 1853م >>.

حياة سخن جارة الله بوسوا والدة الزعيم الأكبر في منزل مام مور أنت سل البكي

وذات ليلة أمرالشيخ مام مور أنت سل هذه السيدة بأن تمسك له عتبة الحائط، فلما بدأت الريح تهب دخل الشيخ في غرفته فنسيها في ذلك المكان،فلما قرُب وقت صَلاة الفجر، خرج لإعداد ماء يتوضأ به، فوجدها في الخارج فقال لها: “ماذا تفعلين في هذا المكان؟! فقالت له: أمرتني بأن أمسك لك هذا الحائط ولم تَأذن لي بتركه !!

تنبيه : وقعت هذه القصة في” وادي البكي” يعني: “خُرُ امبَاكِي” ولكن كثيرا من الناس يزعمون أنها حدثت في بورقان. وهذا بعيدٌ عن الصواب.

وفي 18 سعي (يُونيُو) 1865م جاء مام مورأنت سل إلى منطقة بوروقان المباركة وكان يعلم الناس القرءان الكريم في هذا المكان بإذن من الإمام مبه جخوبه، وسبب ذلك أنه لما حشر الإمام مبامبا جخوبه الشيوخ إلى سالم مرَّ بجد الشيخ والد الوالد مام بلّ عيش البكي وقد ناهز عمره آنذاك التسعين، يريد أن يحمله مع أهله ، وهو حينئذ في ” سينجي” بلدة في ناحية “سَالم” التي تلي “بَاوُول” مع أهله وأولاده .

وكان جليلا في قومه مطاعا، فاعتذر إليه لسنه وقد حمل معه ولده محمد بن حبيب الله والد الشيخ الخديم – رضي الله عنه – والقصة بِرُمّتها ذكرها صاحب ” منن الباقي القديم ” الشيخ محمد البشير امباكي.

وأمرها يوما الشيخ الإمام بأن تصنعَ له القهوة ولم تجد حطبا فشَقت تابوتها لأجل ذلك. ومما يدل على طاعة زوجها الكريم أنَّها كانت تطبخ له كلّ يوم عَصيدةً (1) وذات يوم أراد الشيخ مام مورأنت سل البكي أن يذهبَ إلى مكان مَا فقالت له السيّدة : انتظر الخصيب، ولكنها في استعداد لطبخته فلما فرغت من الطبخ وجده راكبًا على فرسِه، فتبعت خلفه حتى وصلت إلى الغرفة التي أعدها لخاصة نفسه فأعطته الخصيب فسألها كيف وصلتِ إلى هذا المكان؟ فبينت له ذلك، فشكرها زوجهَا غاية الشكر.

ولاشك أن المرأةَ تنال على طاعة زوجها التقي المتدين رضوان الإله ودخول الجنة كما ورد عن عبد الرحمان بن عوف رضي الله عنه قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – :” إذا صلتِ المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت زوجهَا، قيل لها : ادخلي الجنة من أيّ باب شئت ” رواه أحمد. وَروَى ابن ماجه والترمذي عن أم سلمة رضي الله عنها عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: ” أيما امرأة ماتت وزوجها عنها راضٍ دخلت الجنة ” .

وكانت السيدة مريم بوسوا – رضي الله عنها – محسنة إلى ضَراتها، بل اعتبرهن أخوات شقيقات. يروى أنها كانت تنسج لباسا بيدها وتُعطيها النساء ، وتقول لهن : ” هذه الثياب من السيدة سغن أنت انجاي ” وتدل هذه القصة على سلامة قلبها من سَائر الرذائل .

ودارَت بينها وبين سغن أنت انجاي والدة مام شيخ أنت امباكي – رضي الله عنه – حِوارًا فقالت لها: سألد في هذا البيت شمسًا فقالت لها سغن جارة الله بوسوا: – رضي الله عنها – ” سَأجيبكِ غدا إن شاء الله “، فلما أصبحتا قالت لهَا السيّدة الكريمة” سألد في هذا البيت السَّماء التي يكون تحتها الشمس والقمر والنجوم.

ندرسُ في هذه القصة دروسًا كثيرة وعبرًا متعددة؛ لأن السيدةَ كانت تعرف كيف تُجيبها ولكن لم تجبها مباشرة لما يتولد من ذلك من الفتن أو الخصومات بين الضرائر … والسيدة ُسغن أنت انجاي – رضي الله عنها – هذه كانت امرأة صَالحة متدينة لا تحسد لأحد ذكيّة محبّة للخير صابرة. وهي التي سببت مجيء سغن جارة الله بوسوا – رضي الله عنها – إلى بيت مام مور أنت سل البكي لأنها تربت وتعلمت في منزل والدة سعن جارة الله بوسوا ولذا لما رأت منها أخلاقاً كريمةً قالت لسيّده مام مور” رأيت امرأة صَالحة متدينة أريد أن تنكحها ، فأجابه : ما عندي شيء فقالت له: ” أبيع حليتي ثم أسلم ثمنها إليك “. فوافقه على ذلك – فسارت على هذا النهج حتى جاءت السيدة الكريمة إلى هذا المنزل – وهي التي سببت أيضا مجيء سغن حفصة جخاتي إلى بيت مام مور أنت سل امباكي والدة الشيخ سيدي الكبير المشهور بـ ” الشيخ حبص امباكي ” .

بل أمرت ابنها مام شيخ أنت امباكي بروم غاوان أن يبايع الشيخ الخديم قبل إعلانه دعوته (2)، وهذا يدل على حُسن خلقها، لأن كثيرا من النسوة لا يُحببن الضرّة .

المبحث الثالث

شواهد بعض الأفاضل في حقها باللغتين: الولوفية والعربية:

تناول الأدباءُ من معاصِريها ومن بعدهم أقلاَمهم، ونسجُوا بِمنوالهم قصَائد رائعة دَونوا فيها السَّجايا النبيلة التي كانت السيدة تمتاز بها. وإليك نماذج منها:
قال أحد الشاعر سرين جو الدكاني :
لَهَا العلامةُ لا يخفَى على أحدٍ = صَوم صَلاة دعَاء ثم استغفَارا
صَبر حَياء وأخلًاق مُهذبة = طِيبُ الكلاَم وما بالقولِ مِكثارا
صُمت سُكوت وقُرءان تُرتلها = وقت السّحَارِ إذا مَا الليلُ إدبَارا
تلازم البيتِ خوفَ الله بارئِها = بِطاعةٍ وعباداتٍ وأذكَارا
الليل قائمةٌ واليومُ صَائِمةٌ = تُراقِب الربَّ إجلالاً وأفكارا
تُعطِي وتطعمُ مِسكينًا وسَائلةً = تُوصِّل الرُّحم إخفاءً وإظهارًا
تلك الصَفيةُ أرضَ الله صُنعتُها  = دُنيا وأخرى بالإعلانِ وإسرَارًا

وقال سرين مصمب جاره امبي :
من الأماراتِ كون الأم عابدةً = مطيعةً ربَّها فوقَ المطيعاتِ
مطيعةٌ ربَّها ووالدينِ لها = لكونِها فوقَ جارات وجاراتِ
قد أحسَنت ما أسَاءت كلُّ جارتِها = في أرضِنا وسَواها مِن مسيئات
كانت مخفّفة حَمل المعِيشةِ عَنـ = ـه وهي تحمل صَبرا ضر ضرات
وكانت نصِيحتـها للنـاسِ ذائـعـة = عند الرواياتِ عن أهلِ الروايات
وقتُ الشتاء ووقتُ الصّيفِ أيّهمَا = أقضَى لحاجاتِ أرباب الضرورات
تُعطي الكبارَ طعامًا هَكذا حطبًا = وقتُ الشتاء مُنذ أيام البروداتِ
كذاكَ في الصيفِ تُعطي العاجزين شرا
= بًا باردًا ينفي كل غُلاّت

قال الشهيد مصمبَ مريم بن مصَمب هنت جيبوا بن مندن بن بيُ بن العالم العلامة سيدي المختار دومبي جوب في مدحِ سيدتنا مريم جارة الله رضي الله عنهما ونفعنا ببركاتها آمين . وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما :
حمدًا لمن جعَل الإسلام وُجدانا = والكفرَ والجهل خسرانًا وفقدانا
أزكَى الصّلاةِ وأنمى السَّلام على = محمّدٍ سَاد من لله قد دَانا
والآلِ والصَّحبِ والقافينَ ملته = ما نورت ملةُ الإسلام بُلدانا
وبعد فالقصدُ بالمنظومِ مدحَتنا = لسَمحة سُميت بجارة الآنا
أصليةٍ وطنا شريفةٍ نسبًا = كريمة حسبًا تفضيلهَا بانا
مطيعة ربّها والشيخَ سيدها = أرضتُه أفعَالها لله إدمانا
ولم تُهن أحدا ولا تُشن أبدا = ولم تُبن أمدا من عَابها مَانا
مَن حَولوا حاجة في ملكِها وجَدوا = نجحَى الحوائج لا يلقون حِرمانا
مَن عيبوها بلا قولٍ ولا عملٍ = يُـزرى عليهَا فكان الله ديَّـانا
إن زارها جَائعٌ أوزارهَا ظَمىءٌ = صارا بما عندَها شَبعان ريّانا
يا طالبًا نائلاً فاسأل بجارتِنا = وامرر بهَا تلقَ إحسَانا فإحسانا
كم مُستعين أتاها وهيَ تُنجده = فارتَد يُنجد إنسَانا فإنسَانا
وكم بليدٍ أتَى للعلم سَيدها = فارتد يعلم سَحبان بن سَحبانا
وكم حرائرَ عِلاّت خمُلن فلا = يُذكرن من ذِكرها إذ غَوثها بانا
عمّ البلاد جميعًا مدحُ جارتنا = فالله يُملكها يُمنا وإيانا
أما أبوهَا أخوهَا خالهَا فهمُ = خيرُ المشايخِ أخلاقا وأديَانا

من أسرار هذه القصيدة تضمن حروف المعجم كلها وتكررها إلا حرفي الغوث والسلام.

أما أبوها فهو محمّد بوسوا – رضي الله عبه – المشهور بـ”مام مبس حوى امباي” الذي سبق ذكره. وأما أخوها فهو محمّد بوسوا المشهور بـِ” سرين امبسُوبي” المولود في عام {1822مـ 1238هـ} وسبب تسميته بهذا الاسم أنه لما دعا الإمام مبه جخوبه جميع الناس للجهاد ضد الملوك كان هذا الشيخ متميزا بالعلم ، فإذا ورد سؤال إليه يفتي الناس ويبينهم بيانا شافيا فصَارالناس يدعونه بهذا الاسم. وهو أول من لقن الشيخ الخديم – رضي الله عنه – القرءان الكريم ، ثم سلمه إلى تفسير امباكي اندومبي.

وهو كان شيخا لشيخنا الخديم لما كان سَالكا في الطريقة القادرية، ولذا كان يشاور معه في الأمور الدنيوية والأخروية… فالشيخ محمد بوسُوا وصفه ونعته الشيخ محمّد البشير امباكي – رضي الله عنه – في كتابه ” منن الباقي القديم ” بهذه الصفاتِ ((… وكان شيخًا جليلا وعالما متقنا نَبيلا، طاهر القلب طيب الأخلاق، مرضي الشيم… )) وفي موضع آخر من كتابه يقول: “… محمد بوسو، الإمام العالم العلامة، الجامع بين النزاهة والنباهة، والشجاعة والأمانة، كما قال الشاعر :
جمعَ الشجاعة والخضُوع لربِّه = ما أحسنَ المحرابَ في المحرابِ !

انتهى كلامه، وكان مستجاب الدعوة يروى أنه دعا ربه أن يجعل له جميع أولاده أولياء الله، قبل أن يقيم مسكنا، فقبل الله دعوته، والشيخ أحمد بامبا هو الذي أتى بخَاله هذا من ” نَاِويْل ” إلى امبَاكي بَاوول ولما قدم إلى هذا المكان خرج شيخنا من بيته الذي ألف فيه كتابه ” مسالك الجنان ” وأعطاه سرين امسُوبي. وكان سرين امبسُوبي على علم بمصِير أمر ابن أختها ولذا أمر سائر أبنائه بأن يبايعوه، وكان شيخنا إذا أتى إليه أحد من أبناء خاله يريد مبايعته قال له : أنت تؤكد مبايعتك لأن أباكَ قد بايع لك قبل ذلك. وكان الشيخ الخديم يعجب كثيرا بأمر سرين امبسُوبي فيقول : ” كل من سلمه إلي هذا الشيخ ألفيتُه نقيا وطاهرًا من الأدناس الظاهرة والباطنة ” .

وقد أصيبَ خاله بمَرض عانى منه في الأيام الأخيرة من حياتِه ولذلك كان يعالجه ويداويه بتبليل أمعاء من حيوان يسمى بـ “ساو” فضاعت تلك الأمعاء وأتي له بأمعاء أخرى من هذا الحيوان فقال: “لستُ أدري هل ذُكي هذا الحيوان بطريقة شرعية أو لا؟ فأبى أن يتناوله حتى قضى الله منيته في عام 1895مـ 1312هـ عن عمر يبلغ ( 75 أو 76) ودفن في” امباكي بول”. قال ابنه البار الشيخ الحاج امباكي بوسُوا مؤرخا تأريخ وفاة والده:
تُوفي الوالدُ عامَ “شُبَ شَيْ” = عن “عِزِّ” عمره، وقيل: “كُنْهَ” حَيّْ

انظر يا أخي الكريم إلى هذا الورع والتقوى، فما زال يتجنب الشبهات حتى آخر لحظاته.

أما خالها فهو تفسير امباكي اندومبي بن محمّد سغن بوسُوا بن محمّد الكبير” مام مهرم امباكي” وهو شقيق جدة الشيخ الخديم – رضي الله عنه – أم أمه سغن عائشة والو البكية وهو شرع في تعليمه القرءان الكريم لما بلغ شيخنا سنّ التعلم حتى حفظه على يديه أو قارب من الحفظ – ثم رجع الخديم إلى خاله محمّد بن محمّد بوسُوا شقيق أمّه الصَّالحة – كما قال صاحب الإرواء الشيخ محمّد الأمين جوب الدغاني ” إنه أخبره بعض الثقات أن شيخنا – المترجم له – أخبره أن لوحه بلغ ” لتجدن” إبانَ وفاة معلمه المذكور”.
(( وكان يعني: تفسير امباكي اندومبي رجلا صالحا عالما متدينا . ومما يحسن الظن به من طريق الفأل، – وكان – صلى الله عليه وسلم – يعجبه الفأل الحسن – أنه وافته المنية وهو في نسخ مصحف ابتدأه من النصف الأول ومن النصف الثاني لئلا يؤخره انتظار جفوف الصحيفة عن مواصلة الكتابة، فاتفق أن انتهى في النصف الأول إلى قوله تعالى: { وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [ آل عمران: ١٠٧ ] وفي النصف الثاني إلى قوله تعالى : {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً } [ الفرقان: ٢٤] حقق الله فيه الفأل ورحمه رحمة واسعة وجزاه عنّا خيرا ءامين )) (3)

وقال سرين موسى كاه الشاعر والأديب – رضي الله عنه – يمدحها في هذه الأبيات النفيسة :
أُمُّ خَلِيفَة رَسُولِ اللَهِ = محمّدٍ ولدِ عَبـدِ الله
أُمُّ إِمَام أَوليَاءِ اللِه = هَمْكَ مَقَامَاتُ رِجَالِ اللهِ
هَمكَ لُكِن هَمُل فِنُنْ بِاللهِ = مَامْ جَارَ نِيلْ الحَمْدُ للهِ
مَرْيَمُ فُقْتِ مُوقِنَات اللهِ = سَدُومَ رَوْكُيْجَكْ لِبسْمِ اللهِ
مُدُونُ أَحْمَدُ حَبِيبُ اللهِ = مُومَسَ جِسْ أَمِينُ وَحْيِ اللهِ
يَايْ تُرُدُو مَرْيَمُ أُمُّ عِيسَى = سَيدةُ النِسَاءِ رَوْنكَ سِيسَا
مُودُنُ عِيسَى مَدِ رُوحُ اللهِ = مُودِ دُنَيْ مُوسَى كَلِيمُ اللهِ
مُودُنُ إِبْرَ مَيْ خَلِيلُ اللهِ = مُودُنُ آدَمُ صَفي الله
طوبَى لِمَنْ تَبِعَهُ للهِ = ويل لمنْ أَنْكَرَهُمْ بِاللهِ
لَجُ جُغُنْ مُحَمَّدُ المَكِيُ = مِكنُجُ جُغْ مُحَمَّدُ البَكِيُ

المبحث الرابع

انتقالها إلى جوار ربها:

توفيت السيّدة الكريمة راضية مرضية في عام 1866م وعمرهَا ثلاث وثلاثون سنة ووري جثمانها في مدينة “بُروقَان” كما يقول الدَّغاني في الإرواء : ” وأما أمُّه فهي في بُرقان فِي القُطر السَّالمي توفيت ثمة أيام والدِه هُنالكَ “. هذه البقعة الشريفة التي قال فيها الشيخ الخديم : ” إن كل من ذهبَ إلى هذه البقعة يجدني فيها أو أجده فيها ” وهذا القول يدل على شرف هذه المدينة الكريمة. والناس يزورونها سنويا في مناسبة تعظيم بُروقَان، ويتذاكرون سِيرتها الحافلة بالمآثر والمناقب، ليقتدي بها النساء المسلمات .

أنشد هذه الأبيات طالبٌ بصوبيٌّ (عافية مختار) ناسجًا بمنوال قصيدَةِ السيد الحاجِّ خَبَّان مبكِّي فاضل في مدح الجَدِّةِ السَّيِّدةِ مريم (جارةِ اللهِ) البصوبية وقريتها (بروقان) فقال:
فأكْرِمْ بهذا التُّرْبِ أعظم بنورِهـا = دَفِينَتُهَا تُرْجَى المُنَى عندَ بَابِهـا
(سرج خبّان فاضل).

إذا زُرْتَها الئادابَ والصِّدْقَ فالْتَزِم = تَنلْ خيْرَ ما يُعْطَى لزَوْرٍ يزُورُها

(سرج عافية بوصو)

إذا زُرْتَها أخْلِصْ ودُمْ ثَمَّ لَحْظَةً = تجِدْ عندَها شيْخي وقُلْ شيخك ابْنُهَا

(سرج عافية بوصو)

وذا خَيْرُ مَا يَبْغِي المُريدُون عندَهَا = فمن نَالَه نَالَ المَرَامَاتِ كُلَّها

(سرج عافية بوصو)

جُزِيتُمْ عن الأَمْداح يا نَجْلَ سِبطها = بمن صَيَّرَتْ لله ذا العَرْشِ جَارَها

(سرج خبّان فاضل)

سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

والجدير بالذكرِ أن “بروقَان” يشرف عليها أسرة الشيخ محمد البشير البكي، فبنى فيها الشيخ محمد المصطفى بشير – قدس الله روحه وطيّب ثراه – مسجدا جامعا كبيرا، ومدرسة قرآنية عصرية لتحفيظ سُميات السيدة جارة الله بوسُوا الكتاب العزيز، مع تربيتهن تربية إسلامية. وتجدر الإشارة هنا إلى بروقان مدينة أصلها من “الفرقان ” تقع جنب نجور مقاطعة في إقليم مدينة كولخ .

يا أختِي المسلمة !

اقتدي بهذه السيدة الكريمة إذا أردتِ أولادا صالحين. فنوالُ الله وهبَاته لا ينقطع، ولن ينقطع، ولكن لقلة النساء الصَّالحات لم ينزل أولياءه المتقين إلى الأرض بل هم فوق السَّموات يتزاحمون وينتظرون امرأة صالحة تستقبلهم في الدنيا؛ لكي ينقذوا البشر من الضلال إلى الهدى ومن الظلام إلى النور.

حاولي أن تكوني من الصَّالحات اللاتي بصَلاحهن يصلح المجتمع، واجتنبي الاقتداء بالنصارى واليهود؛ لأن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: (( مَن تشبَّه بقوم فهُو منهُم )) متفق عليه.
قال الشاعر :
فتشبَّهوا إن لم تكُونوا مثلهُم = إنّ التشبهَ بالكرام فلاحُ

الخاتمة:

قد بذلت قُصارى جهدي في إنجاز هذا البحث المتواضع، وأعتذر للقراء من التقصير الحاصل فيه، وهذا يدل على ضعف البشر وعدم كماله فالكمال المطلق لله تعالى، وأنا لست أهلا من فرسَان هذا الميدان وهو ميدان التأليف، ولكن أحاول أن أمرن نفسي عليه، وأشجّع أمثالي – طلاب العلم – أن يمرنوا أنفسهم على الكتابة ، لاسيما سير الشخصيات التي تركت الدنيا وما فيها وأقبلت إلى الله الكريم وخدمت للإسلام خدمات جُلَّى، لا توضع أبدا في سلة النسيان.

هذا، وأسأل الله تعالى أن يتقبل منا هذا العمل خالصا لوجهه الكريم، وأن يجعله في ميزان حسناتنا يوم الجمع والفصل، إنه ولي ذلك، والقادر عليه. آمين. والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المراجع والمصادر:

كانت مراجع هذا البحث هذه الكتب القيّمة التالية:

1 – القرآن الكريم 2 – السنّة النبويّة الشريفة
3- منن الباقي القديم في سيرة الشيخ الخديم : للشيخ محمد البشير امباكي نجله 4- إرواء النديم من عذب حبِّ الخديم : للشيخ محمد الأمين جوب الدغاني
5- تنبيه المرأة من هذه البيئة مخطوط باللغة الولفية : للشيخ الحاج امباكي ابن سرين مصطفى حفصة امباكي الباحث المعاصر 6- أبيات للشاعر المفلق : سرين موسى كاه
7- أبيات للشاعر العالم العلامة والبحر الفهامة الحاج سرين امباكي بوسوا
8- قصيدة سرين مصمب مريم جوب ابن مصمب هنت جيبوا
9- قطعة أبيات مساجلة بين سرين عافية بوسوا مختار الإمام في الجامع الطوبويّ، وسرين خبَّان امباكي ابن الشيخ محمد الفاضيل امباكي
10- أبيات للشاعر : الشيخ إبراهيم جوب المشعريّ
11- أبيات للشاعر : باب محمود الديمانيّ 12- قصائد مخطوطة من الشعراء السنغاليين 13- الروايات التي نقلناها عن ثقات عادلين من الباحثين المريدين .
14- جلوري مام جار : مخطوط بالولفية للشيخ محمد البشير امباكي بن الشيخ محمد المنتقى امباكي بشير:

تنبيه :

فكل من له ملاحظات أو اقتراحات في هذا البحث فالباب مفتوح له على أن يتصل بالأرقام التالية :

76 518 40 15 – 77 837 06 81

من إعداد/ سرين امباكي ديوب الطوباوي المعروف بـ “خضر”
الطالب في ثانوية الشيخ محمد المصطفى امباكي بطوبى دار القدوس. الخميس/10/ 05 / 2012م طوبى – السنغال

الهوامش:

1- العَصِيدَةُ : دقيقٌ يُضافُ إِليه ثلاثةُ أَمثاله من الماءِ كَيْلاً ، ولا يزال يُحَرَّكُ على نار هادئة حتى يَغْلُظَ قَوَامُه فيُصَبَّ عليه السَّمْنُ واللَّبَنُ المُحَلَّى بالعَسَلِ أَو السُّكرِ.
والجمع عَصائِد . طحينٌ يلت بالسَّمن ويطبخُ . [ معجم الوسيط، و معجم الرائد] وتعني باللهجة الولفية ” لاَخْ ” .

2- راجع كتاب ” تنبيه المرأة من هذه البيئة ” للشيخ الحاج امباكي نجل سرين مصطفى حبص، مخطوط باللغة الولفية .

3- راجع كتاب ” منن الباقي القديم في سيرة الشيخ الخديم ” للشيخ محمد البشير امباكي .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى