السياسةالعمل والمستجدات

التربية على الانفتاح: أصداء في شعر الرعيل الأول من مريدي الشيخ الخديم.

التربية على الانفتاح: أصداء في شعر الرعيل الأول من مريدي الشيخ الخديم.
بقلم المفتش :عبد الأحد لوح.
كلما أمعنتُ النظرَ في الآليات المنهجية التي استثمرها العبد الخديم في الدعوة والتربية والإصلاح، ازددتُ قناعة بفعاليتها وعمق تأثيرها في نفوس المُتَربِّين على ذلك النهج الرشيد الذي بدأ يؤتي أكله في وقت مبكر من عمر الدعوة المريدية؛ حينما تَبلورت تجلياتُه في سلوك المريدين ومعاملاتهم مع الطوائف الأخرى، وحين تطور الأمر حتى تحولت بعض قصائد الشعراء إلى سجلات تاريخية تصور أصداء تلك الملحمة التربوية الخالدة.
وآية ذلك أنك تطالع إنتاج الشعراء من مختلف الطرق الصوفية في عهد الشيخ أحمد الخديم، فيبهرك حسن التبادل، وجودة التنافس في الإحسان إلى الآخر، سواء في العلاقات العامة، أم في العلاقات الثقافية. ومما يلفت النظر في هذا المقام أن بعض شعراء المريدية من الجيل الأول، قد أحسنوا التواصل الاجتماعي والثقافي مع مشايخ ينتمون إلى الطريقة التجانية.
خذ مثالا على ذلك زيارة ودية أداها الشيخ محمد بوسو بن الحاج مباكي بوسو لصديق والده الحاج مالك سي؛ حيث قدم بين يديه قصيدة جاء في مطلعها :
– أُهـــدي بــَهــِـــيَّ سلام قد تُسايره ++++ تــحــيةٌ مثــلُ روض زانـــه زهَر
– لماجد فاضل مـــن معـــشر غُرَر ++++ بـهـــم تمدّح أهل الغرب وافتخروا
– حِبر به مشكلات العلم قد وضُحت +++++ للــطــالــبـيـن فبالمكنوز قد ظفروا
وقبل ذلك بزمن طويل، أبدع الحاج مباكي بوسو قصيدة بديعة رحب فيها بقدوم الحاج مالك سي من رحلة الحج برفقة شيخ اسمه ” ابن المبارك”، ومما جاء فيها :
– مرحبا بالشيخين بالقادميْن ++++ مرحبا بالقَرميْن بالتائبيْــــــــــــــــن
– مرحبا مرحبا وأهلا وسهــلا ++++ بجميع الحجاج بالسيـــــــــــــديْن
– مرحبا بالأضياف من بيت ربي ++++ وبكل الزوار والفَتَيَيْـــــــــــــــــن
ولا شك أن هذه القصيدة تحمل في طياتها دلالة قوية على أصالة هذا النهج السلوكي القويم في مسيرة المريدين، وعلى تمسكهم بنهج الانفتاح على الآخر، في كل الأحوال والظروف، مهما تبلغ درجة التقيد بالطريقة. وقد تأكدت هذه الحقيقة عند وفاة الشيخين الحاج مالك سي والحاج عبد الله نياس في سنة واحدة(1922م)؛حيث خلد الحدثَ المؤسفَ صديقُهما الوفي الحاج مباكي بوسو في مرثية افتتحها بقوله :

– يا ثلمة في ديننا الإسلام ++++ من قلع قرني هامة الأعلام
– السيدين العالمين السالكيـــــــــــــــــــــــــــن المسلكين لحضرة العلام
– شمس وشمس عام شمس غابتا ++++ فبكى الورى لتكاثف الإظلام
والطريف في القضية أن هذه المواقف الإيجابية تجاه الطوائف الأخرى، كانت تحدث والشيخ الخديم على قيد الحياة، بل إنه هو الذي كان يشجع ويوجه المريدين إلى حسن التفاعل مع إخوانهم المؤمنين، بغض النظر عن انتماءاتهم الطائفية. وها هنا نتذكر قصيدة الحاج محمد الخليفة نياس التي أبدعها نيابة عن والده الحاج عبد الله نياس، إثر تَلقِّيه نُسخة من تفسير الجلالين، أهداها له الشيخ أحمد الخديم؛ فما كان من الوالد إلا أن أمر ابنه الشاعر بإبداع قصيدة بليغة جاء في مطلعها قوله :
– أزكى سلام كطعم الشهد بالراح ++++ ينوب عنا وصال الراح بالراح
– أزكى سلام كَرَيِّ المسك نفحتُه ++++ مُعطَّرا بنواحي الشيخ فَوّاح
– شيخ تقي نقي عيلم علَم ++++ فما ثنائي بمُطريه وأمداح
– أتحفتنا بكتاب لا نظير له ++++ أروى غليل صدانا بعد لُوَّاح
ومن الأكيد أن ثمرات هذه العلاقات الاجتماعية الثقافية ظلت متواصلة في الأجيال اللاحقة، بل لا يزال عطاؤها ساري المفعول إلى يومنا هذا. غير أني سأضرب مثالا أخيرا بقصيدة نسجها الشيخ موسى كاه لمدح الشيخ أبي بكر سي بن السيد الجاج مالك سي؛ وذلك بإذن من السيد “مام شيخ أنت مباكي”. وإليكم أبياتا مقتطفة من مطلع تلك الرائعة :
– وهل مِزبري فوق القراطيس يَسكُب ++++ مياها كسكب من سحاب ويكتب؟
– وأم تَلْطم الأمواجُ من لُجِّ فكرتي ++++ كما يُزبد البحر المحيط ويضرب؟
– لمدح أبي بكر خليفة مالـــــــكٍ ++++ درته النواحي شرقُها ثـــــــم مغربُ
– يحاكي أبابكر خليفة أحمــــــــدٍ ++++ بعلم وحلم لا إلى الكفر يَهــــــــــرب
والخلاصة أني ركزتُ على نماذج مختارة من شعر الطائفتين المريدية والتجانية، وفي الجعبة الكثير والكثير مما تبادله مبدعون من طوائف أخرى، ومن بيئات أخرى في حق المشايخ، منذ عهد العبد الخديم إلى الوقت الراهن؛ وما ذلك إلا لأني كنت أسعى إلى عرض عينة ممثلة لروح الانفتاح عند مريدي الشيخ أحمد الخديم، عليه رضوان الله الباقي القديم، كما تنعكس في السجلات الشعرية؛ وذلك كي يكون الخلف على بينة من سيرة السلف.
حرر في طوبى يوم الاثنين 17 صفر 1442هـ / 5 أكتوبر 2020م.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock